سعيد حوي

1397

الأساس في التفسير

وبين يديه . والقرآن مصدق لجميع كتب اللّه ، لموافقته إياها في حال عدم تحريفها وتبديلها ، ولتقريره ما دعت إليه من إخلاص العبادة والتوحيد للّه وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ( الأنبياء : 25 ) . وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ . أي : ومهيمنا على الكتب السابقة لأنه تضمّن ما تضمنته وزاد عليها من الكمالات ما لا يعلمه ولا يحيط به إلا اللّه ، والهيمنة يدخل في معناها الشهادة ، والحكم ، والائتمان . فالقرآن مؤتمن على الحق الموجود في الكتب السابقة ، فكل ما خالفه مما هو موجود بين أيدي أصحابه الآن باطل ، والقرآن شهيد على الحق الذي فيها ، وحاكم على كل ما ينسب إليها ، فهو يشهد للحق فيها بالصحة والثبات ، ولغيره بالبطلان فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ . أي : بما في القرآن وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ هذا نهي أن يحكم بما حرّفوه ، وبدّلوه ، اعتمادا على قولهم ، وقد تضمّن قوله تعالى : وَلا تَتَّبِعْ أي : ولا تنحرف ، فلذا عدّاه بعن ، فكأنه قيل : ولا تنحرف عما جاءك من الحق متبعا أهواءهم ، أو لا تنحرف عادلا عما جاءك من الحق اتباعا لأهوائهم لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ أيها الناس شِرْعَةً . أي : شريعة وَمِنْهاجاً . أي : وطريقا واضحا وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً . أي : جماعة متفقة على شريعة واحدة وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ . أي : ولكن أراد أن يعاملكم معاملة المختبر فيما آتاكم من الشرائع المختلفة ، فتعبّد كلّ أمّة بما اقتضته الحكمة ، حتى أنزل هذا القرآن فتعبّد النّاس جميعا به فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ . أي : فابتدروها ، وسابقوا نحوها قبل الفوات بالوفاة والمراد بالخيرات : كل ما أمر اللّه تعالى به في شريعة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً هذا تعليل لاستباق الخيرات فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ . أي : فيخبركم بما لا تشكون معه من الجزاء الفاصل بين محقكم ، ومبطلكم ، وعاملكم ومفرّطكم في العمل . وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ هذا تأكيد للأمر بوجوب الحكم بما أنزل اللّه وحده وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ كائنة ما كانت هذه الأهواء ، متلبسة بالدين أو بغيره وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ حذّره وهو رسول مأمون معصوم لتقتدي به أمته ، ولتقطع أطماع أهل الأهواء فَإِنْ تَوَلَّوْا أي : عن الحكم بما أنزل اللّه إليك ، وأرادوا غيره فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ . أي : بذنب التولي عن حكم اللّه ، وإرادة خلافه ، فوضع ببعض ذنوبهم موضع ذلك ، وهذا الإبهام لتعظيم التولي ، وفيه تعظيم الذّنوب فإن الذنوب بعضها مهلك ، فكيف بكلّها . دلّت