سعيد حوي

71

الأساس في التفسير

المرض ضد الصحة ، والفساد يقابل الصحة فصار المرض اسما لكل فساد ، والشك ، والنفاق فساد في القلب فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً : أي فزادهم الله رجسا وشرا إلى شرهم عقوبة لهم . وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ : أي بكذبهم في قولهم آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ خداعا للمؤمنين . والكذب هو الإخبار عن الشئ على خلاف ما هو به . وبهذه الآيات الثلاث عرفنا حقيقة النفاق وأسبابه ثم بعد أن بين الله لنا ذلك ، ذكر لنا ثلاثة نماذج من أقوالهم ومواقفهم لنعرفهم بها : 1 - وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ ، قالُوا : إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ ، أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ الفساد : خروج الشئ عن حال استقامته وكونه منتفعا به ، وضده الصلاح وهو : الحصول على الحال المستقيمة النافعة والمراد بالفساد في الآية الكريمة - والله أعلم - الكفر والعمل بالمعصية ، فهؤلاء المنافقون يعملون بالكفر والمعصية ويدعون إليهما ، ويزعمون أن ما يفعلون وما يدعون إليه إصلاح وهو عين الفساد ، ولكن من جهلهم لا يشعرون أنه فساد و ( إنما ) في اللغة العربية تفيد : قصر الحكم على شئ أو قصر الشئ على حكم ، وقد استعملوها في تعبيرهم . إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ فذلك يدل على أنهم يتصورون أن صفة المصلحين خلصت لهم وتمحضت من غير شائبة تقدح فيها من وجه من وجوه الفساد ، ولم يظهر أهل هذه الآية في عصر كما ظهروا في عصرنا - في القرن الخامس عشر الهجري - إذ تجد الدعاة إلى الكفر والمعصية والعاملين بهما ممن لهم أسماء إسلامية ، ويتظاهرون بأنهم مسلمون ، ويخلعون على أنفسهم ودعواتهم الكافرة أسماء براقة تعطيهم صفة المصلحين ، كالتقدمية والتقدميين ، والحرية والأحرار ، وقد روي من غير طريق ذكره ابن كثير عن سلمان الفارسي ، في قوله تعالى : وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ : ما جاء هؤلاء . لم يجئ أهل هذه الآية بعد . . أقول : قد جاءوا في عصرنا ورأيناهم ونسأل الله أن يطهر الأرض منهم . قال ابن جرير : يحتمل أن سلمان ( رضي الله عنه ) أراد بهذا أن الذين يأتون بهذه الصفة أعظم فسادا من الذين كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم لا أنه عنى أنه لم يمض ممن تلك صفته أحد . 2 - وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ قالُوا أَ نُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ السفه : سخافة العقل وخفة الحلم . والناس في الآية هم الكاملون في الإنسانية وهم المؤمنون ، لأنهم هم الناس على الحقيقة ومن عداهم كالبهائم .