سعيد حوي
72
الأساس في التفسير
نصحهم أهل الإيمان النصيحة الأولى كما رأينا بتقبيح ما كانوا عليه ؛ لبعده عن الصواب وجره للفساد ، فردوا عليهم كما رأينا ، ونصحوهم النصيحة الثانية كما في هذه الآية بأن بصروهم بالطريق الأسد من اتباع ذوي الأحلام ، فكان جوابهم أن سفهوهم للتمادي في جهلهم ، وفيه تسلية للعالم مما يلقى من الجهلة . ولم يظهر أهل هذه الآية كذلك في عصر كما ظهروا في عصرنا ، إذ ترى المنافقين يحتقرون أهل الإيمان من علماء وربانيين ودعاة وعباد ويعتبرونهم ضعاف العقول ، ويصفونهم بالرجعية والجمود وضيق الأفق وأمثال ذلك ، فهم أبعد الناس عن احترامهم ، فضلا عن متابعتهم والاقتداء بهم فيما هم فيه من خير ، وقد تولى الله سبحانه الجواب الذي يفضح حقيقة أمرهم فقال : أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ ، فأكد وحصر السفاهة فيهم ، وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ يعني : ومن تمام جهلهم أنهم لا يعلمون أن ما هم فيه ضلال وجهل وسفه ، وذلك أردى وأبلغ في العمي والبعد عن الهدى ، وإنما وصفهم في الآية الأولى بأنهم لا يشعرون ، وفي الآية الثانية بأنهم لا يعلمون ، لأنه ذكر في الآية الثانية السفه وهو الجهل فكان ذكر العلم هو الأحسن طباقا له ، ولأن الإيمان يحتاج إلى نظر واستدلال ليكتسب الناظر المعرفة ، فناسب ذلك ذكر العلم ، أما الفساد في الأرض فأمر مبني على العادات فهو كالمحسوس فناسب هناك أن يذكر عدم الشعور . 3 - وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا : إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ . يزيدنا الله بيانا في توضيح حال المنافقين من خلال أقوالهم ، ومواقفهم ، فذكر لنا أن هؤلاء المنافقين إذا لقوا المؤمنين قالُوا آمَنَّا وأظهروا لهم الإيمان والموالاة والمصافاة تغريرا منهم للمؤمنين ونفاقا ومصانعة وتقية ، وإذا خلوا إلى سادتهم وكبرائهم ورؤسائهم وأصحابهم من الكافرين والمشركين والمنافقين قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ أي إنا على مثل ما أنتم عليه إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ أي : إنما نحن نسخر بالقوم ونستهزئ منهم ونلعب بهم ، ولم يظهر أهل هذه الآية في عصر كما ظهروا في عصرنا ، إذ كثرت المؤسسات الكافرة من محافل ماسونية وأحزاب ضالة ، أو مؤسسات خائنة ، أو جمعيات فاجرة ، أو تكتلات على أسس فاسدة . وتجد كثيرا من أبناء المسلمين يتظاهرون مع أهل الإيمان بالإيمان ولكنهم مع زعمائهم في هذه المؤسسات وأمثالها على غاية من المتابعة والولاء . وليس أبلغ من كلام الله في وصف حالهم ومقالهم للمؤمنين ولزعمائهم ،