سعيد حوي

70

الأساس في التفسير

فيقع بذلك فساد عريض من عدم الاحتراز منهم ، ومن اعتقاد إيمانهم وهم كفار في نفس الأمر ، وهذا من المحذورات الكبار أن يظن بأهل الفجور خير . ولما كنا لا نعرف المنافق إلا من سيماه وفلتات لسانه كما قال تعالى : وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ ( سورة محمد ) فقد بين الله لنا هنا حقيقة المنافق ، وأعطانا نماذج من كلامه وتصرفاته ، ثم ضرب لنا الأمثلة عليه لتتضح الحال تماما ، لأن النفاق أخطر شئ على الأمة ، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام « أخوف ما أخاف على أمتي منافق عليم اللسان . . . » وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ : ادعى المنافقون إحاطتهم بجانبي الإيمان أوله وآخره ، وهذا لأن حاصل المسائل الاعتقادية يرجع إلى المبدأ ، وهي العلم بالخالق وصفاته وأسمائه وأفعاله ومسائل المعاد وهي : العلم بالنشور والبعث من القبور والصراط والميزان وسائر أحوال الآخرة . وفي تكرار الباء إشارة إلى أنهم ادعوا كل واحد من الإيمانين على صفة الصحة والاستحكام ، وقد نفي الله عزّ وجل إيمانهم على أبلغ وجه ، إذ أخرج ذواتهم من أن تكون من المؤمنين ، فقال : وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ . ولليوم الآخر تعريفان : الأول : هو الوقت الذي لا حد له ، وهو الأبد الدائم الذي لا ينقطع ، وإنما سمي بالآخرة لتأخره عن الأوقات المنقضية . الثاني : هو الوقت المعهود من النشور إلى أن يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار . يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا الخداع : إظهار غير ما في النفس على نية الغش وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ النفس : ذات الشئ وحقيقته ، ثم قيل للقلب والروح نفس لأن النفس بهما ، وقيل للدم نفس لأن قوام النفس بالدم ، وقيل للماء نفس لفرط حاجة النفس إليه ، والمراد بالأنفس هاهنا ذواتهم ، والمعنى أنهم بمخادعتهم الله والمؤمنين لا يخدعون في الحقيقة إلا أنفسهم لعود أضرار ذلك عليهم ، فالخداع لاحق بهم لا يعدوهم إلى غيرهم ولكنهم لا يشعرون أن حاصل خداعهم يرجع إليهم ، والشعور : علم الشئ علما حسيا ، ومشاعر الإنسان في الأصل حواسه لأنها آلات الشعور . والمعنى أن لحوق ضرر الخداع بهم كالمحسوس ، وهم للتمادي في غفلتهم كالذي لا حس له . فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ : المرض هنا هو الشك والنفاق ، لأن الشك تردد بين الأمرين والمنافق متردد ، كما أن المريض متردد بين الحياة والموت ولأن