سعيد حوي
343
الأساس في التفسير
من غير ذلك جائز كتمه ، لا سيما إن كان مع ذلك خوف . فإن ذلك آكد في الكتمان . وقد ترك أبو هريرة ذلك حين خاف فقال : « حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاءين ، فأما أحدهما فبثثته ، وأما الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم » أخرجه البخاري . قال أبو عبد الله : البلعوم مجرى الطعام . قال علماؤنا : وهذا الذي لم يبثه أبو هريرة وخاف على نفسه فيه الفتنة أو القتل ، إنما هو مما يتعلق بأمر الفتن . والنص على أعيان المرتدين والمنافقين ونحو هذا مما لا يتعلق بالبينات والهدى . 6 - هناك اتجاه في تفسير قوله تعالى وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ . أن المراد بذلك دواب الأرض . ويشهد لهذا الاتجاه حديث حسن رواه ابن ماجة . قال القرطبي : « قد جاء بذلك خبر رواه البراء بن عازب رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى : يَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ قال : دواب الأرض . اه . أقول : والحديث في حال ثبوته لا ينفي العموم عن الآية . بل يدخل في هذا العموم دواب الأرض . إذ يمكن أن يكون ذلك منه عليه الصلاة والسلام بيان لشئ يدخل في هذا العموم . إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ * خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ . في هذا المقطع كما رأينا صدر الأمر لهذه الأمة - بعد أن استكملت فيما مضى وجودها المتميز كأمة - أن تستعين بالصبر والصلاة ، ثم أمرت أن تصف الشهيد بالحياة ، ثم حضت على الاسترجاع عند المصيبة ، ثم صدر لها الأمر بصيغة التقرير أن تسعى بين الصفا والمروة ، ثم صدر لها الأمر بصيغة التقرير أن لا تكتم الحق الذي أنزله الله عليها ، ثم يصدر لها الأمر هنا بصيغة تقرير ألا تكفر . فمن خلال الأوامر المباشرة . والتقريرات الحاسمة تبني سورة البقرة هذه الأمة شيئا فشيئا . وتبني شخصية المسلم كذلك . المعنى الكلي : تخبر الآيتان عمن كفر بالله واستمر به الحال على الكفر إلى أن مات ، أن عليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، وأنهم خالدون في هذه اللعنة التابعة لهم إلى يوم القيامة . ثم المصاحبة لهم إلى نار جهنم التي لا يخفف عنهم عذابها فتنقص ولا يفتر ولا يغير ولا يؤجل . بل هو متواصل دائم . المعنى الحرفي : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أي : استمروا على الكفر حتى ماتوا عليه .