سعيد حوي
138
الأساس في التفسير
غيرهم وينسون أنفسهم مع أنهم يتلون الكتاب الذي : هو التوراة هنا ، وهي تأمرهم بالبر الحقيقي وتعظهم . فصار معنى الآية : كيف يليق بكم يا معشر أهل الكتاب - وأنتم تأمرون الناس بالبر وهو جماع الخير - أن تنسوا أنفسكم فلا تأتمرون بما تأمرون به الناس ، وأنتم مع ذلك تتلون الكتاب ، وتعرفون ما فيه على من قصر في أوامر الله . أفلا تفطنون لقبح ما أقدمتم عليه حتى يصدكم استقباحه عن ارتكابه ؟ أفلا تفطنون إلى ما أنتم صانعون بأنفسكم فتنتبهوا من رقدتكم وتبصروا من عمايتكم ؟ ألا عقول لكم توصلكم إلى هذا ؟ ! ! وليس المراد ذمهم على أمرهم بالبر مع تركهم له ، بل على تركهم له ، فإن الأمر بالمعروف واجب على العالم ، ولكن الواجب الأولى بالعالم أن يفعله مع من أمرهم به ، ولا يتخلف عنهم فكل من الأمر بالمعروف وفعله واجب لا يسقط أحدهما بترك الآخر ، فالصحيح أن العالم يأمر بالمعروف وإن لم يفعله ، وينهى عن المنكر وإن ارتكبه مع إثمه بالتفريط وقصوره ونقصانه ، فالآية إذن تلوم على الجانب الثاني ولا تنكر فعل الأول ، ومن ثم قال سعيد بن جبير : « لو كان المرء لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر حتى لا يكون فيه شئ ما أمر أحد بمعروف ، ولا نهى عن منكر » قال مالك : ( وصدق من ذا الذي ليس فيه شئ ؟ ) لكنه والحالة هذه مذموم على ترك الطاعة وفعله المعصية لعلمه بها ومخالفته على بصيرة ، فإنه ليس من يعلم كمن لا يعلم ، ولهذا جاءت الأحاديث والآثار في الوعيد على ذلك : أخرج الإمام أحمد والبخاري ومسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم « يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق به أقتابه فيدور بها في النار كما يدور الحمار برحاه فيطيف به أهل النار ، فيقولون يا فلان ما أصابك ؟ ألم تكن تأمرنا بالمعروف ، وتنهانا عن المنكر ؟ فيقول : كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه وأنهاكم عن المنكر وآتيه » هذه رواية أحمد . وأخرج الإمام أحمد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن الله يعافي الأميين يوم القيامة ما لا يعافي العلماء » . وقد ورد في بعض الآثار : فإنه يغفر للجاهل سبعين مرة حتى يغفر للعالم مرة واحدة ليس من يعلم كمن لا يعلم . وأخرج الإمام أحمد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم « مررت ليلة أسري بي على قوم تقرض شفاههم بمقاريض من نار قال : قلت من هؤلاء ؟ قالوا خطباء أمتك من أهل الدنيا ممن كانوا يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب ، أفلا يعقلون ؟ » .