سعيد حوي

137

الأساس في التفسير

القليل هو الدنيا بحذافيرها ، فإنها قليلة بجنب رضوان الله ، ومن الدنيا الرئاسة والمال والجاه . وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ أي فخافون الخوف الذي يوصلكم إلى فعل الأمر ، وترك النهي . قال طلق بن حبيب : « التقوى أن تعمل بطاعة الله رجاء رحمة الله على نور من الله ، وأن تترك معصية الله على نور من الله تخاف عقاب الله » . وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ لبس الحق بالباطل : خلطه ، وكتمان الحق : عدم إظهاره ، نهاهم عن الشيئين معا : ألا يلبسوا الحق بالباطل فيموهوه به ، وألا يكتموا الحق في حال علمهم أنهم لابسون وكاتمون ، لأن ذلك أقبح إذ ربما عذر مرتكب القبيح إذا كان جاهلا قال قتادة : ( أي ) « لا تلبسوا اليهودية والنصرانية بالإسلام وأنتم تعلمون أن دين الله هو الإسلام » . وقال ابن عباس : « لا تكتموا ما عندكم من المعرفة برسولي وبما جاء به وأنتم تجدونه مكتوبا عندكم فيما تعلمون من الكتب التي بأيديكم » أقول : وكلام قتادة وابن عباس مما يدخل في النهي ، والنهي أعم . وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ أمرهم أن يصلوا صلاة المسلمين ، وأن يدفعوا زكاة أموالهم كما يفعل المسلمون ، وأن تكون صلاتهم مع المسلمين ليكونوا معهم ومنهم . وقد استدل كثير من العلماء بقوله تعالى وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ على وجوب صلاة الجماعة . أمرهم فيما مر أن يذكروا نعمته ، وأن يوفوا بعهده ، وأن يرهبوه ، وأن يكونوا أول المؤمنين بالإسلام ، وألا يعتاضوا عن الإسلام بالدنيا ، وأن يتقوا الله ، وألا يخلطوا الحق بالباطل ، وألا يكتموا الحق مع علمهم به ، وأن يقيموا الصلاة وأن يؤتوا الزكاة ، وأن يصلوا مع المسلمين في جماعاتهم ، فإن فعلوا هذا كانوا أبرارا على الحقيقة وهم يزعمون أنهم دعاة إلى البر وليس البر إلا هذا ، فالبر إيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله ، والبر صلاة وزكاة ووفاء بالعهد . . . كما سنرى في آية البر ، ومن ثم فإن الله عزّ وجل بعد هذه الأوامر والنواهي خاطبهم موبخا ومعجبا من حالهم : أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَ فَلا تَعْقِلُونَ يأمرون الناس بطاعة الله وتقواه والالتزام بكتابه وهداه والوفاء بعهوده ، وهذا القرآن هو كتابه ومحمد رسوله صلى الله عليه وسلم فلو كانوا صادقين في الدعوة إلى الله لآمنوا بما أنزل وبمن أنزل عليه والتزموا . ولكنهم كاذبون في دعواهم ودعوتهم ولذلك فإنهم بعيدون عن البر لأن الصادق في الدعوة يوجه الدعوة إلى نفسه أولا ، وهؤلاء يوجهون الدعوة إلى