محمدحسن القبيسي العاملي

16

تفسير البيان الصافي لكلام الله الوافي

وما يريد اللّه للناس بهذا التحذير في القرآن أن يعيشوا فزعين قلقين ، وانما يريد اللّه منهم اليقظة والحساسية والتقوى ومراقبة للنفس ، والعظة بتجارب البشر ورؤية محركات التاريخ الانساني ، وإدامة الاتصال بالله ، وعدم الاغترار بطراوة العيش ورخائه . والمنهج القرآني - مع ذلك - انما يعالج أطوار النفوس والقلوب المتقلبة وأطوار الأمم والجماعات المتنوعة ، فيعطيها جرعة من الامن والثقة والطمأنينة إلى جوار اللّه تعالى حين تخشى قوى الأرض وملابسات الحياة ، ويعطيها جرعة من الخوف والحذر والترقب لبأس اللّه ، حين تركن إلى قوى الأرض ومغريات الحياة ، وربك أعلم بمن خلق وهو اللطيف الخبير . ( تِلْكَ الْقُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها ) . . ( وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ ) والعهد الذي يشار اليه هنا قد يكون هو عهد اللّه على فطرة البشر الذي ورد ذكره سابقا . وقد يكون هو عهد الايمان الذي أعطاه اسلافهم الذين آمنوا بالرسل ثم انحرف الخلائف كما يقع في كل جاهلية وفترة ، إذ تظل الأجيال تنحرف شيئا فشيئا حتى تخرج من عهد الايمان وترتد إلى الجاهلية السابقة . وأيا كان فالعهد قد تبين أن أهل هذه القرى لا عهد لأكثرهم يستمسكون به ويبنون عليه انما هو الهوى المتقلب ، والطبيعة التي لا تصبر على تكاليف العهد ولا تستقيم . ( وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ ، وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ ) [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 103 إلى 112 ] ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَظَلَمُوا بِها فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ( 103 ) وَقالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 104 ) حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ ( 105 ) قالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ( 106 ) فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ ( 107 ) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ ( 108 ) قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ ( 109 ) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَما ذا تَأْمُرُونَ ( 110 ) قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ ( 111 ) يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ ( 112 )