محمدحسن القبيسي العاملي
14
تفسير البيان الصافي لكلام الله الوافي
البيان : ان السياق القرآني هنا لا يروي حادثة - كما سبق - وانما يكشف عن سنة ولا يعرض سيرة قوم ، انما يعلن عن خطوات قدر . ومن ثم يتكشف أن هناك ناموسا تجري عليه الأمور ، وتتم وفقه الاحداث ، ويتحرك به تاريخ الانسان في هذه الأرض : ( وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ ) . فليس للعبث - تعالى اللّه عن ذلك علوا - وانما يأخذ اللّه عباده بالشدة في أنفسهم وأرزاقهم ، لان من طبيعة الابتلاء بالشدة أن يوقظ الفطرة التي ما يزال فيها خير يرجى لذلك اقتضت مشيئة اللّه أن يأخذ أهل كل قرية ، فيرسل إليها نبيا فتكذبه ، والبأساء والضراء ، خير مهذب وخير مفجر لينابيع الخير المستكنة في الضمائر الحية . وعند التكذيب والعناد بعد قيام الحجة ، تجيء العاقبة وفق السنة الجارية : ( فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ) جزاء بما نسوا واغتروا وعاندوا وكذبوا واتبعوا أهواءهم ( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَلكِنْ كَذَّبُوا ) . فذلك الطرف الآخر لسنة اللّه عزّ وجل الجارية ، فلو بدلوا التكذيب بالتصديق . والعصيان بالطاعة والاذعان لفتح اللّه عليهم بركات من السماء والأرض بدون حساب . ان العقيدة الايمانية في اللّه وتقواه ليست مسألة منعزلة عن واقع الحياة وعن تاريخ الانسان ، ان الايمان بالله وتقواه ، ليؤهلان لفيض من بركات السماء والأرض وعدا من اللّه حقا ، ومن أوفى بعهده من اللّه العادل الحكيم . والايمان بالله عزّ وجل قوة دافعة دافقة تجمع جوانب الكينونة