محمدحسن القبيسي العاملي
388
تفسير البيان الصافي لكلام الله الوافي
واما الليلة التي نزل فيها ، وهي ليلة القدر ، فقد اختلفوا فيها وربما يظهر من بعض الروايات والأدعية التي وردت في جملة من الليالي انها متعددة ، فقد يظهر من بعض الروايات ان ليلة النصف من شعبان تقدر فيها الأمور ومن بعضها ان ليلة تسع عشرة من رمضان تقدر فيها الأمور بل قد عرفت اختلاف المراتب في تفريق الأمور تقديرا وامضاء وابراما وانها توزع على الليالي الثلاث ، ومن بعضها يظهر ان أفضل الليالي في السنة ليلة الثالث والعشرين من شهر رمضان ، وهي ليلة الجهني ، فقد يستفاد منه ان هذه الليلة هي ليلة القدر . والتحقيق في ذلك ان الليلة التي نزل فيها القرآن هي الليلة التي استشهد فيها علي بن أبي طالب عليه السّلام وهي ليلة احدى وعشرين من شهر اللّه الأعظم ، دل على ذلك صحيح علي بن أبي حمزة الثمالي المروي في الكافي ولكن ذلك لا ينافي تعدد ليالي القدر التي فيها تقدر الأمور ، إذ قد عرفت من الأخبار المتقدمة ان تقدير الأمور انما هو على الترتيب ، ففي ليلة تسعة عشر يكون التقدير وفي ليلة احدى وعشرين القضاء وفي ليلة ثلاث وعشرين الابرام . ويبقى الكلام في سر اختلاف مراتب التفريق والتقدير وعدم منافاة ما ذكر مع جفاف القلم ، فنقول : ان عناية اللّه تعالى بعباده أوجب المنة عليهم بالانعام والتكرم عليهم بالاحسان فأفاض عليهم النعم ووعوهم باكثارها بالشكر بما له من المصاديق الكثيرة من التلفظ بالحمد إلى صرف النعم في المشاريع المقررة لها شرعا ، وامرهم بالدعاء زيادة للبركة وتوفيرا للنعمة ، ولما كانت النعم في معرض الزوال بسبب الطغيان والعصيان ، وكانت الغرائز البهيمية والسبعية تؤهل الانسان لقبول وساوس الشيطان المؤدية إلى الوقوع في ورطة الذنوب ، فتح اللّه سبحانه على المذنبين أبوابا من المغفرة والرضوان ومن التوبة والتضرع اليه تعالى وجبران المعاصي ورد مظالم العباد إليهم وقضاء ما فات من العبادات وأداء الحقوق