السيد محمدحسين الطباطبائي

259

تفسير البيان في الموافقة بين الحديث والقرآن

فتنازع القوم وتفاخروا حتّى دعوا بالسلاح . فبلغ النبيّ فخرج إليهم فقال : « أتدعون الجاهليّة بين أظهركم بعد إذ أكرمكم اللّه بالإسلام ، وقطع به عنكم أمر الجاهليّة وألّف بينكم » ، فعرف القوم أنّها نزغة من الشيطان وكيد من عدوّهم ، فألقوا السلاح وبكوا وتعانقوا وانصرفوا معه - صلّى اللّه عليه وآله - . قوله سبحانه : وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ إذا أخذت بحبل أو ربط فمنعك عن السقوط أو ما يشبهه فقد عصمك ، فأصل العصمة هو المنع الخاصّ ، وإن ذكر في التاج أنّ : المنع هو الأصل في معناه ، « 1 » ونقل عن بعض أهل اللغة أنّ أصله الربط . وكيف كان ، ففي معنى الاعتصام امتناع وأخذ ، فالمعتصم باللّه كأنّه ممتنع عمّا لا يرتضيه اللّه سبحانه بالأخذ به تعالى . ومن هنا يظهر أنّ الآية التالية وهي قوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ « 2 » كالتفسير والبيان للاعتصام باللّه . ومن هنا يظهر أيضا أنّ الإعتصام باللّه كالإيمان وسائر المقامات الدينيّة ، أمر ذو مراتب ومبادئ مراتبه اكتسابيّة ، وينتهي إلى أن يكون العاصم للعبد من الذنب والمعصية هو اللّه عزّ اسمه من غير توسّط شيء من القوى المتعلّقة بالنفس ؛ إذ ما دام للفعل تعلّق بشيء من القوى النفسانيّة البدنيّة من حيث ترجيح الفعل والترك ، فالطرفان متساويان من غير تحقّق وجوب لأحد الطرفين وامتناع للآخر ، فليس امتناع المعصية إلّا أنّه سبحانه هو المدبّر لحال الإنسان

--> ( 1 ) . تاج العروس 8 : 399 . ( 2 ) . آل عمران ( 3 ) : 102 .