السيد محمدحسين الطباطبائي
175
تفسير البيان في الموافقة بين الحديث والقرآن
أخيرا على كون رسول اللّه عالما بالتأويل بقوله : وما كان اللّه لينزّل عليه شيئا لم يعلّمه تأويله ، إنتهى ، يؤيّد ما ذكرناه ، فإنّ ظاهره استفادة ذلك المعنى من قوله في صدر الآية : هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ وقوله عليه السلام : فقال الذين لا يعلمون . . . إلى آخره ، بيان لكيفيّة المعنى بلسان الحال بتحويل الأخبار إلى الإنشاء ؛ للإشارة إلى أنّ هذا القول تعليم وتأديب وهو قول من لا يعلم بالتأويل من الراسخين في العلم ، إذ الناس في العلم صنفان : زائغ قلبه وراسخ في علمه ، والقول ليس هو قول الزائغين قلبا ، فهو قول الراسخين في العلم ممّن لا يعلم التأويل . وهاهنا معنى ربّما كان لائحا من بعض الروايات وبه يتمّ التوفيق بين الأخبار الظاهرة في كون الواو في قوله وَالرَّاسِخُونَ للعطف ، والظاهرة في كونها للإستئناف ، وهو أنّ العلم وكذلك الرسوخ فيه يحتمل المراتب فالمؤمن بإجمال ما جاء به الرسول ، إذا تحقّق ذلك فهو راسخ في علمه ذلك ، وحقيقة الرسوخ هو : الإيقان في العلم ، فما عنده من العلم فهو فيه على يقين ، كما في الكافي عن الباقر - عليه السلام - إنّ الراسخين في العلم « 1 » من لا يختلف في علمه . . . الحديث . « 2 » وقد عرفت في ذيل قوله : وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ « 3 » أنّ أهل اليقين مكشوف لهم الحجاب ، وحينئذ فإذا حمل لفظ الراسخين في العلم على حقيقة معناه كان الأنسب هو العطف على المستثنى ، وإهمال ذكر النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - بالتصريح باسمه ؛ لكون الخطاب معه وحكمه مفهوم من صدر الآية من
--> ( 1 ) . في المصدر : « فإن قالوا : من الراسخون في العلم ؟ فقل : » ( 2 ) . الكافي 1 : 245 ، الحديث : 1 . ( 3 ) . البقرة ( 2 ) : 124 .