السيد محمدحسين الطباطبائي
165
تفسير البيان في الموافقة بين الحديث والقرآن
وإن كان رجوعا لكنّه من قبيل رجوع المثال إلى الممثّل . ويقرب من هذا المعنى قوله سبحانه : وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ، « 1 » وقوله سبحانه : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا . « 2 » ومن هذا القبيل أيضا قوله : فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ فالتأويل المذكور إمّا تأويل جملة الكتاب ، أو خصوص المتشابه ، وابتغاؤهم ذلك إنّما هو بالإتّباع ، فمورده آية مسوقة للعمل أو الأعمّ منه ومن الإعتقاد ، فالتأويل تأويل الحكم لا تأويل الخبر . فظهر أنّ تأويل الآية غير رجوعها إلى آية أخرى ، وغير تحقّقها بتحقّق ما أخبر بها في الخارج . وأيّا ما كان ، فقد قصر العلم به بنفسه سبحانه ، إذ قال : وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ . وأمّا قوله : وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ فظاهره أنّه كلام مستأنف ، وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مبتدأ خبره قوله : يَقُولُونَ وليس بعطف على المستثنى كما يفيده المقابلة بين قوله : فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ ، وقوله : وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا ثمّ قوله : وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ فسمّاه تذكّرا فهو في مساق قوله : أَ فَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ
--> ( 1 ) . الإسراء ( 17 ) : 35 . ( 2 ) . النساء ( 4 ) : 59 .