السيد محمدحسين الطباطبائي
75
تفسير البيان في الموافقة بين الحديث والقرآن
لاحق ، وبين الهدايتين يقع صدق الاعتقاد وصلاح العمل . والدليل على أنّ هذه الهداية من اللّه - سبحانه - فرع الاهتداء الذاتي الأوّل : آيات كثيرة ؛ كقوله سبحانه : يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ، « 1 » وقوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ ، « 2 » وقوله : إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ ، « 3 » وقوله : وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ، « 4 » وقوله : وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ « 5 » . . . إلى غير ذلك . والأمر في ضلال الكافرين والمنافقين كما في المؤمنين ، فعندهم ضلالان : أحدهما من عند أنفسهم ، والثاني من عند اللّه - سبحانه - ؛ خذلانا لهم وعقوبة لكفرهم ونفاقهم ؛ ففي هذه الآيات إشارة إلى حياة أخرى للإنسان مستبطنة كامنة تحت هذه الحياة الدنيويّة ، وهي الحياة التي بها يعيش الإنسان في هذه الدار وبعد الموت وحين البعث ، وسيأتي تتمّة الكلام فيه - إن شاء اللّه - قوله سبحانه : يُؤْمِنُونَ الإيمان تمكّن الاعتقاد في القلب ؛ مأخوذ من الأمن ، كأنّ المؤمن يعطي لما آمن به الأمن من الريب والشكّ ، وهو آفة الاعتقاد . والإيمان - كما مرّ - معنى ذو مراتب ؛ إذ الإذعان ربّما يتعلّق بالشيء نفسه
--> ( 1 ) . إبراهيم ( 14 ) : 27 . ( 2 ) . الحديد ( 57 ) : 28 . ( 3 ) . محمّد ( 47 ) : 7 . ( 4 ) . البقرة ( 2 ) : 258 . ( 5 ) . المائدة ( 5 ) : 108 .