السيد محمدحسين الطباطبائي
74
تفسير البيان في الموافقة بين الحديث والقرآن
عشرة - التي يبيّن فيها حال المؤمنين والكافرين والمنافقين - خمس صفات ؛ وهي : الإيمان بالغيب ، وإقامة الصلاة ، والإنفاق ممّا رزقهم اللّه ، والإيمان بما أنزل اللّه على أنبيائه ، والإيقان بالآخرة . وحيث عقّب سبحانه هذه الأوصاف بقوله : أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وقابلها أيضا بما وصف به الكافرين والمنافقين - من الضلال والعمى الذاتي الذي لهم من أنفسهم ، والضلال العارضي الذي يمدّ سبحانه به ضلالهم الذاتي - فهذه الأوصاف تنشأ في المتّقين من اهتداءين في مقابل الضلالين في غيرهم ، وهما اهتداء ذاتي أوّل ، واهتداء ثان يلحق بالأوّل ، ويتمّ به كمالهم في الإيمان ، وهما : سلامة الفطرة في الإنسان وما يلحق بها ثانيا من خلعة الاهتداء من اللّه - سبحانه - : فإنّ الفطرة إذا سلمت لم تنفكّ من أن تتنبّه شاهدة لفقرها وحاجتها إلى أمر خارج ، وكذلك احتياج كلّ ما سواها - ممّا يقع عليه حسّ أو وهم أو عقل - إلى أمر خارج تقف دونه سلسلة الحوائج ، فهي شاهدة بوجود موجود غائب عن الحسّ ، منه يبدأ الجميع وإليه ينتهي ويعود ، وأنّه كما لم يهمل دقيقة من دقائق ما يحتاج إليه الخلقة ، كذلك لا يهمل هداية الناس إلى ما ينجون به من مهلكات الأعمال والأخلاق ، وهذا هو الإذعان بالتوحيد والمعاد والنبوّة ، وهي أصول الدين . ويلزم ذلك استعمال الخضوع له سبحانه في ربوبيّته ، واستعمال ما في وسع الإنسان - من مال وجاه وعلم - لإحياء هذا الأمر ونشره ، وهذان هما الصلاة والإنفاق . ومن هنا يعلم : أنّ الذي أخذه سبحانه من أوصافهم ، هو الذي تقضي به الفطرة إذا سلمت ، وأنّه سبحانه وعدهم بأنّه سيفيض عليهم أمرا سمّاه هداية ؛ فهذه الأعمال الزاكية منهم متوسّطة بين أمرين : إهتداء ذاتي سابق ، واهتداء ثان