السيد محمدحسين الطباطبائي
53
تفسير البيان في الموافقة بين الحديث والقرآن
فوصفهم بالثبات التامّ قولا وفعلا وظاهرا وباطنا على العبوديّة ، فلا يشذّ منهم شاذّ من هذه الجهة ، ومع ذلك جعلهم في تبعهم وصفّ بعد صفّهم لمكان « مع » ولمكان قوله : وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً ، « 1 » وكما يشعر به قوله في محلّ آخر : وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ ، « 2 » وهذا هو الإلحاق في الآخرة لمكان قوله : عِنْدَ رَبِّهِمْ « 3 » و لَهُمْ أَجْرُهُمْ ، « 4 » فهؤلاء وهم أصحاب الصراط المستقيم أعلى قدرا وأقرب منزلة من هؤلاء المؤمنين الذين أخلصوا قلوبهم وأعمالهم من الظلم والشرك ، يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ ، « 5 » وإذا تدبّرت قوله سبحانه : فَلا وَرَبِّكَ ، « 6 » وتعريفه أصحاب الصراط المستقيم بقوله : غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ أيقنت أنّ هناك نحوا آخر من الشرك لم يخلص عنه المؤمنون الخالصون وشأنهم هذا الشأن ، وإنّما يختصّ به أصحاب الصراط المستقيم ، فتدبّر . وبالجملة ، فمآل قوله : صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ، إلى التوحيد علما وعملا . وأمّا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ فالصراط هو الواضح من الطريق ، من سرطت سرطا إذا بلعت بلعا ، كأنّه يبلع السالكين فيه فلا يدعهم ولا يدفعهم عن بطنه ،
--> ( 1 ) . النساء ( 4 ) : 69 . ( 2 ) . الحديد ( 57 ) : 19 . ( 3 ) . الحديد ( 57 ) : 19 . ( 4 ) . الحديد ( 57 ) : 19 . ( 5 ) . المجادلة ( 58 ) : 11 . ( 6 ) . النساء ( 4 ) : 65 .