السيد محمدحسين الطباطبائي
52
تفسير البيان في الموافقة بين الحديث والقرآن
ضَلَّ ، « 1 » وكلّ ظلم شرك ، سواء كان معصية بالأفعال أو انحرافا في الاعتقاد كما فيما حكاه عن الشيطان لمّا قضي الأمر إذ يقول : إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ، « 2 » وقال سبحانه : أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ * وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيراً . « 3 » فإذا كان كلّ ضلال في علم أو عمل شركا فمستقيم الصراط الذي هو صراط غير الضالّين ما لا يقع فيه شرك عمل أو علم ألبتّة ، وهو التوحيد علما وعملا ؛ إذ لا ثالث لهما ، وماذا بعد الحقّ إلّا الضلال ، فهو طريق مأمون فيه من الضلال فينطبق على قوله سبحانه : الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ . « 4 » وفي هذه الآية تثبيت للأمن ووعد بالاهتداء ، وسيجيء سرّه إن شاء اللّه . ثمّ إنّه عرّف هؤلاء الذين أنعم عليهم في قوله سبحانه : وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً ، « 5 » وقد وصف هذا الإيمان والإطاعة بقوله قبل الآية : فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً * وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً ، « 6 »
--> ( 1 ) . النساء ( 4 ) : 116 . ( 2 ) . إبراهيم ( 14 ) : 22 . ( 3 ) . يس ( 36 ) : 60 - 62 . ( 4 ) . الأنعام ( 6 ) : 82 . ( 5 ) . النساء ( 4 ) : 69 . ( 6 ) . النساء ( 4 ) : 65 - 66 .