السيد محمدحسين الطباطبائي

276

تفسير البيان في الموافقة بين الحديث والقرآن

وذلك أنّ كلّ عمل لغاية مقصودة يراد به غير اللّه سبحانه : إمّا لعزّة عنده يطمع فيها ، أو لقوّة يخاف منها ويحذر عنها ، وقد قال تعالى : فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً « 1 » وقال : أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً « 2 » فلا موضوع لرياء ولا سمعة ولا خوف من غيره تعالى ، ولا رجاء لغيره تعالى ، ولا ركون إلى غيره تعالى ، فهذان العلمان إذا تمّا يغسلان كلّ ذميمة فعل أو وصف عن الإنسان ، ثمّ ينمّيان وينبتان في قلبه ويولّدان في نفسه كلّ ما يقابلها من الأوصاف الإلهيّة من القوّة باللّه والعزّة باللّه ومناعة وكبرياء واستغناء وهيبة إلهيّة ربّانيّة . وأيضا تكرّر في كلامه أنّ : لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ * « 3 » و لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ * « 4 » وحقيقة هذا الملك لا تبقى لموجود استقلالا بوجه من الوجوه ، فلا شيء إلّا وهو المالك لذاته ولكلّ ما لذاته ، وإيمان العبد بهذا الملك وتحقّقه به يوجب سقوط جميع الأشياء ذاتا ووصفا وفعلا عنده عن درجة الاستقلال ، وهذا الإنسان لا يمكنه أن يريد غير وجهه سبحانه ، ولا أن يخضع لشيء أو يخاف أو يرجو شيئا ، أو يلتذّ ويبتهج بشيء ، أو يركن لشيء ، أو يتوكّل على شيء ، أو يسلّم أو يفوّض إلى شيء ، غير وجهه سبحانه . وبالجملة : لا يريد ولا يطلب إلّا وجهه الباقي بعد فناء كلّ شيء ، ولا يعرض ولا يهرب إلّا عن غيره ، الذي لا يرى لوجوده وقعا ، ولا يعبأ به قبال وجود بارئه - عزّ وجلّ -

--> ( 1 ) . النساء ( 4 ) : 139 . ( 2 ) . البقرة ( 2 ) : 165 . ( 3 ) . البقرة ( 2 ) : 107 ؛ المائدة ( 5 ) : 40 ؛ الزخرف ( 43 ) : 85 . ( 4 ) . البقرة ( 2 ) : 116 ؛ النحل ( 16 ) : 52 .