السيد محمدحسين الطباطبائي

258

تفسير البيان في الموافقة بين الحديث والقرآن

التكوين ، نظير قوله : قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ . « 1 » ولحن الآية في سياقها أنسب مع الأخير سيّما قوله : أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً من غير أن يبدّل بمثل قوله تعالى : إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً « 2 » فيؤول المعنى إلى : أنّا جعلنا لكلّ إنسان غاية وقبلة ، هو متوجّه إليها سائر نحوها قاصد إيّاها ، وأينما تكونوا وتنتهوا في سيركم فاللّه يجمعكم ويأت بكم جميعا لا تفوتون عنه ، فاستبقوا الخيرات حتّى يتعيّن غايتكم بالخير ، هذا . فإن قلت : فيكون صدر الآية قاضيا بأنّ سعادة الإنسان وشقاوته ذاتيّة مثبتة ، فغايته - خيرا أو شرّا - متعيّنة ثابتة لا يتخلف ولا يتخلّف مقتضاها حتما مقضيّا ، فلا يلائمه حينئذ قوله : فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ إذ هو تكليف عامّ للسعيد والشقيّ ؛ إذّ هو بالنسبة إلى السعيد طلب الموجود الحاصل ، وهو محال ، وبالنسبة إلى الشقيّ طلب المحال . قلت : هذا هو الذي أوجب إنكار القدر على ما ذهب إليه جمع ، أو إثباته وتأويل آيات القضاء والقدر بالعلم من غير تأثير ، أو تخصيص ذلك بما دون أفعال الإنسان من الأمور التكوينيّة ، والأمر على خلاف ذلك كلّه . والذي يتحصّل من كلامه سبحانه : أنّ لهذه الموجودات الماديّة التي في هذه النشأة الطبيعيّة - مع كون نسبة كلّ موضوع إلى أحكامها وآثارها وعدمها متساوية بإمكان الوقوع واللاوقوع وقبول الطرفين - أعمّ من الأفعال الاختياريّة وعدمها ، مرتبة أخرى من الوجود ، هي بحسبها متعيّنة ثابتة ، لا تختلف ولا تتخلّف ، وهي مرتبة قبل هذه المرتبة الماديّة قبليّة غير زمانيّة ،

--> ( 1 ) . الإسراء ( 17 ) : 84 . ( 2 ) . المائدة ( 5 ) : 48 .