السيد محمدحسين الطباطبائي

259

تفسير البيان في الموافقة بين الحديث والقرآن

وسيجيء بيانه إن شاء اللّه . وإلى هذا يرجع ما تشاهده من تنوّع كلامه وتفنّنه ، فترى من جانب : أنّه سبحانه يدعو إلى عبادته ومعرفته ، ويأمر وينهى ويرغّب ويرهّب برحمته وعذابه وجنّته وناره ، وترى من جانب آخر : أنّه يحكي عن قول فصل وقضاء حتم وقدر مقدور وأمر مفروغ عنه وأنّه الخالق لكلّ شيء إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ « 1 » ولم يبدّل القضاء بلفظ العلم ، ولا استثنى أفعال الإنسان من خلقته ، ولا نفى الاختيار ، ولا أثبت التفويض ، بل ربّما فرّع أحد الوجهين على الآخر كقوله : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ « 2 » وكما في هذه الآية : وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ . وبالجملة : فالحقّ - كما سيمرّ بك بيانه - أنّ مرتبة الاختيار والإمكان متّحدة بوجه مع مرتبة القضاء والقدر - التي لا تتغيّر - اتّحاد الصورة مع المعنى والظاهر مع الباطن . واعلم : أنّه قد وردت أخبار كثيرة في أنّ قوله تعالى : أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً في أصحاب القائم المهدي - عليه السلام « 3 » - ، ولعلّ ذلك من باب الجري . قوله سبحانه : لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ

--> ( 1 ) . يس ( 36 ) : 82 . ( 2 ) . الأعراف ( 7 ) : 172 . ( 3 ) . الكافي 8 : 313 ، الحديث : 487 ؛ الخرائج والجرائح 3 : 1156 ؛ تفسير العيّاشي 2 : 57 .