السيد محمدحسين الطباطبائي
199
تفسير البيان في الموافقة بين الحديث والقرآن
طه : وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا * إِذْ قالَ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً « 1 » وهو أوّل أمر إبراهيم لموضع قوله : إِذْ قالَ . * وقوله - عليه السلام - : « اتّخذه رسولا قبل أن يتّخذه خليلا » ، يستفاد ذلك من آيات كثيرة ، غير أن الرسالة لمّا كانت أخصّ من النبوّة - على ما سيجيء - كان إثبات نبوّته فقط - كما في الآيات السابقة - هو المحتاج إليه بعد ظهور رسالته في كثير من موارد الآيات ، كما لا يخفى . وقوله - عليه السلام - : « اتّخذه خليلا قبل أن يتّخذه إماما » ، يستفاد ذلك من قوله سبحانه : وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا ، « 2 » حيث إنّ الظاهر أنّ اتّخاذه ايّاه خليلا بعد ما صار ذا ملّة حنيفيّة وبسببها ، وإنّما صار كذلك بعد ما كان رسولا إذ المقام مقام بيان شرف هذه الملّة الحنيفيّة التي تشرّف بسببها إبراهيم - عليه السلام - بالخلّة . وقد وصف هذه الملّة بالحنف ، وهو ميل في القدم ، لميلها عن الشرك إلى التوحيد على ما يعطيه قصص إبراهيم - عليه السلام - وسيجيء بيانه إن شاء اللّه تعالى . والخليل من الخلّة ؛ وهو : الفقر والحاجة ، وبه سمّي الخليل - وهو الصديق - خليلا ، وأحد المتحابّين يسمّى صديقا إذا صدق في معاشرته ومؤانسته ، ثمّ يصير خليلا لقصره حوائجه على صديقه وبالعكس ، فهما خليلان . ولإبراهيم - عليه السلام - منصب آخر بيّنه بقوله سبحانه : وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي
--> ( 1 ) . مريم ( 19 ) : 41 - 42 . ( 2 ) . النساء ( 4 ) : 125 .