السيد محمدحسين الطباطبائي

200

تفسير البيان في الموافقة بين الحديث والقرآن

الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ « 1 » وقال تعالى فيه وفي إسحاق ويعقوب : وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ « 2 » فهو مصطفى بإسلامه ، ويشعر به أيضا قوله : وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ « 3 » فالمصطفى هو الدين ، وإبراهيم - عليه السلام - صار مصطفى بتحقّقه التامّ بالدين ، فمقام الاصطفاء هو مقام التحقّق التامّ بالدين ، وإنّ الدين عند اللّه الإسلام . وإذا عرفت هذا علمت أنّ مدلول قوله : وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا « 4 » أنّ الخلّة مقام متأخّر عن مقام الاصطفاء ، حيث جعله وصفا له متفرّعا على الملّة والحنف جميعا ، فافهم ذلك . فمقام الخلّة متأخّر عن الدين والاصطفاء ، المتفرعين على النبوّة والرسالة جميعا ، وقد عرفت أنّ الإمامة - وهي الاهتداء باللّه ، والهداية بأمر اللّه - أمر وراء هذه الأمور جميعا ، ومحتدها ومنشأها غير ما لتلك ، وقد قال سبحانه : إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً وهو وحي . وأيضا معظم الابتلاءات التي وقعت له - عليه السلام - كانت في زمان نبوّته ورسالته على ما يحكيه سبحانه في كلامه ، فالإمامة آخر هذه المقامات المعدودة ؛ أعني العبوديّة والنبوّة والرسالة والخلّة ثمّ الإمامة .

--> ( 1 ) . البقرة ( 2 ) : 130 . ( 2 ) . ص ( 38 ) : 47 . ( 3 ) . البقرة ( 2 ) : 132 . ( 4 ) . النساء ( 4 ) : 125 .