السيد محمدحسين الطباطبائي
194
تفسير البيان في الموافقة بين الحديث والقرآن
أقول : قوله في الحديث : « هي الكلمات التي تلقّاها آدم . . . » إلى آخره ، قد مرّ من البيان في قوله سبحانه : وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها . . . ، « 1 » ما يتّضح به هذا الكلام ، فالكلمات التي ابتلي بها إبراهيم - عليه السلام - إن كانت صفات طاهرة وأخلاقا فاضلة ، فإنّما وجود هذه الكلمات من كلمات تامّة أخرى في خزائن الغيب عند اللّه هي المبتلى بها حقيقة ، وإن كانت نفس تلك الكلمات فهي ذلك أيضا . غير أنّ التقدير الأوّل أوفق برواية العيّاشي ، فيعود المعنى إلى أنّه عليه السلام ابتلي بصفات فاضلة إلهيّة ، فأتمّهنّ بمفاتيح تلك الصفات من الغيب . والتقدير الثاني أوفق برواية الصدوق ، فيعود المعنى إلى أنّه عليه السلام ابتلى ببعض مفاتيح الغيب فأتمّه ببعض آخر ، والوجهان - مع ذلك - مآلهما واحد ، على ما يعطيه التأمّل التامّ . وقوله : « قلت : فأخبرني عن قول اللّه : وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ « 2 » » الآية في حقّ إبراهيم - عليه السلام - ، وما قبلها : وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ * وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ « 3 » الآيات ؛ والضمير في قوله : وَجَعَلَها راجع إلى الهداية التي يتضمنها قوله : سَيَهْدِينِ دون البراءة التي يتضمّنها قوله : إِنَّنِي بَراءٌ ويشهد به قوله : لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ على ما سيأتي من البيان ، وقوله : سَيَهْدِينِ سياقه مشعر بأنّ هذه الهداية غير ما يشتمل عليه قوله : إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا
--> ( 1 ) . البقرة ( 2 ) : 31 . ( 2 ) . الزخرف ( 43 ) : 28 . ( 3 ) . الزخرف ( 43 ) : 26 - 28 .