السيد محمدحسين الطباطبائي
195
تفسير البيان في الموافقة بين الحديث والقرآن
الَّذِي فَطَرَنِي وهذا اهتداء ذاتيّ غير متعلّق بهاد غير اللّه سبحانه . وقد عرفت سابقا من قوله : أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى ، « 1 » أنّ المقابلة فيها تعطي : أنّ غير الهادي إلى الحقّ غير مهتد بنفسه ، بل مهديّ بغيره ، فمن لم يكن مهديّا بالغير - بل مهتديا بالذات - فهو هاد إلى الحقّ ، فهذه الهداية هي التي نسمّيها بالإمامة ، وهي الهداية بأمر اللّه ، وهي التي يشرّف بها عدّة من أنبيائه ، إذ يقول سبحانه وتعالى : وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنا وَنُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيى وَعِيسى وَإِلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَإِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكلًّا فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ * وَمِنْ آبائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوانِهِمْ وَاجْتَبَيْناهُمْ وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ * ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ * أُولئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ * أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ « 2 » الآيات ، فسياقها - كما ترى - يعطي أنّ هذه الهداية معنى ليس من شأنه أن يتغيّر ويتخلّف ، وأنّ هذه الهداية بعد رسول اللّه لن ترتفع عن أمّته ، بل عن ذرّيّة إبراهيم منهم خاصّة ، كما قال : وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ . « 3 » فإن قلت : قد ذكر سبحانه فيهم موسى وهارون ، وهما أهل عصر واحد ، ولا معنى لإمامين مقتديين في عصر واحد ، وكذلك زكريّا ويحيى وعيسى ، وكذلك
--> ( 1 ) . يونس ( 10 ) : 35 . ( 2 ) . الأنعام ( 6 ) : 84 - 90 . ( 3 ) . الزخرف ( 43 ) : 28 .