السيد محمدحسين الطباطبائي
119
تفسير البيان في الموافقة بين الحديث والقرآن
واعلم : أنّه وإن ظلم نفسه في إلقائها إلى شفا جرف المهلكة ومنشعب طريقي السعادة والشقاوة ، فلو وقف في مهبطه فقد هلك ، ولو رجع إلى سعادته الأولى فقد أتعب نفسه وظلمها ، فهو ظالم لنفسه على كلّ تقدير ، إلّا أنّه هيّأ لنفسه بنزوله درجة من السعادة ما كان ينالها لو لم ينزل ، فمتى كان يمكنه أن يشاهد ما لنفسه من الفقر والذلّة والمسكنة والحاجة والقصور ، وله في كلّ ما يصيبه - من التعب والكدّ والنائبة - روح وراحة في حظيرة القدس وجوار ربّ العالمين ، فللّه سبحانه صفات من عفو ومغفرة وتوبة وستر وفضل ورأفة ورحمة لا ينالها إلّا المذنبون ، وله سبحانه في أيّام الدهر نفحات لا يرتاح بها إلّا المتعرّضون ، والكلام طويل الذيل سيمرّ بك بعضه فيما سيجيء - إن شاء اللّه - ومن التأمّل في المقام يتّضح : أنّ آدم إنّما خالف أمرا إرشاديّا كما مرّت الإشارة إليه ، ولا ينافيه ما نسبهما سبحانه إليه بقوله تعالى : وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى ، « 1 » وقوله : فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ ، « 2 » واعترافهما بالظلم ، قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ « 3 » ؛ فإنّ للظلم والمعصية والغيّ مراتب ، فما كلّ ظلم أو معصية فسقا موجبا لدخول النار ، فالغفلة عن الحقّ منشأ كلّ ظلم ونقص ، وليست من المعصية المصطلحة في شيء . ويستشعر ذلك من قوله سبحانه : ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى « 4 » ؛ حيث يدلّ على الاجتباء أوّلا ، ويفرّع عليه التوبة والهداية ، والأمر في التوبة من
--> ( 1 ) . طه ( 20 ) : 121 . ( 2 ) . البقرة ( 2 ) : 35 . ( 3 ) . الأعراف ( 7 ) : 23 . ( 4 ) . طه ( 20 ) : 122 .