السيد محمدحسين الطباطبائي

102

تفسير البيان في الموافقة بين الحديث والقرآن

المكتوم - الذي ذكره سبحانه - هو من أفراد غيب السماوات والأرض ، فكان جريا وتدرّجا في الكلام من الأعمّ إلى الأخصّ من غير نكتة ظاهرة ، وهو رديء ، بل الصالح حينئذ أن يذكر ما كتموه أوّلا ، وجميع الغيب ثانيا . فهذا الغيب المذكور ليس من جنس السماوات والأرض ؛ حتّى يكون غيبا بالنسبة إلى بعض سكنتهما ، وشهادة بالنسبة إلى بعض آخر ، بل هو غيب خارج عن حيطتهما ، غائب مستور عن سكنتهما ، فلا يشمل الغيب الذي كتموه أوّلا . وقوله سبحانه : وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ حيث قيّد بقوله : كُنْتُمْ مشعر بأنّه كان هناك أمر مكتوم في خصوص آدم وجعل خلافته ، ويظهر ذلك ممّا عقّبه تعالى من قوله : فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ . « 1 » فيظهر أنّ إبليس كان كافرا قبل ذلك الحين ، وأنّ إباءه عن السجدة كان مرتبطا بذلك ، فقد كان أضمره . ويظهر منه أنّ سجدة الملائكة - وإباء إبليس عنها - كانت واقعة بين قوله سبحانه : وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ وقوله سبحانه : إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ . ويظهر السرّ أيضا في تبديل قوله أوّلا : إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ - إلى قوله - ثانيا : إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ . . . الآية . ويظهر من جميع ما مرّ معنى روايات المقام : ففي العيّاشي عن الصادق - عليه السلام - قال : « ما علم الملائكة بقولهم : أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها

--> ( 1 ) . البقرة ( 2 ) : 34 .