الشيخ علي أحمد عبد العال الطهطاوي
92
عون الحنان في شرح الامثال في القرآن
قال الإمام زادة « 1 » : قال الراغب : لا منافاة بين ما أتى به الأنبياء ، عليهم الصلاة والسلام ، من أصول العبادات ، وأنهم كنفس واحدة ، من حيث إنه يتساوى دعاؤهم إلى التوحيد والأركان الثلاثة من الشرائع ، التي هي العبادات الخمس ، وأحكام الحلال والحرام ، والمزاجر ، وإنما الاختلاف بينهم في جزئيات الأحكام وفروعها ، كيفما تقتضيه مصلحة كل قوم وزمانهم ، فكل نبي مصدق للآخر فيما أتى به ، من حيث إن كليات شرائعهم متساوية ، وأن فروعها حق بالإضافة إلى زمان كل واحد منهم وأمته ، حتى لو كان أحدهم في زمن الآخر لم ير المصلحة إلا فيما أتى به الآخر ، ولذلك قال صلى اللّه عليه وسلم في حق موسى بن عمران : « ما وسعه إلا اتباعى » ، فعلى هذا وإن كانت في القرآن أحكام جزئية مخالفة لما في الزمان الأول والكتب السابقة صورة ، فإنها موافقة من حيث إن كل واحد منها مقتضى الحكمة والمصلحة ، فظهر من هذا أن المنسوخ موافق للناسخ حقيقة ، من حيث إن كل واحد منها مقتضى الحكمة . أ . ه . والحديث المشار إليه نصه : « لو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعى » ، وقد رواه الإمام أحمد في مسنده ، كما ذكره الخطيب الشربيني في تفسيره ، فما دام القرآن الكريم مصدقا للكتب السماوية ، فاتباع هذه الكتب لا ينافي الإيمان بالقرآن ، بل يوجب الإيمان به ؛ لكونه مطابقا لها ومصدقا ، ولذلك قال جل شأنه : وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ [ البقرة : 41 ] ، فالمقصود به تأكيد الأمر بالإيمان به ، وتقوية لإيجابه ، كأنه قيل : آمنوا بما أنزلت ، بل كان الواجب عليكم أن تكونوا أول من آمن به ، لكونه مصدقا لما معهم من الكتب المنزلة عليهم ، وواجب عليهم اتباع ما يطابقها بعد الاعتقاد بحقيقته وحقيقة ما فيه من الأحكام ، وإلا لم يكونوا معتقدين بحقيقة كتابهم ومتبعين إياه . وقد عرف أهل الكتاب موافقة القرآن الكريم لكتبهم ، حيث لم يتكلفوا جمع القرآن إلى كتبهم ، ومقابلة البعض بالبعض ، ولو كان مخالفا لهم في زعمهم لفعلوا ذلك حتى يظهر الخلاف ، فيظهر كذبه ، عليه الصلاة والسلام ، في قوله : إن القرآن منزل عليه ، فينجوا من تعرضه لها ، فلما لم يفعلوا ، دل ذلك على أنهم عرفوا أن القرآن موافق لكتبهم . نعم عليهم أن يكونوا أول من آمن به ؛ لما تقدم من مطابقة القرآن الكريم لما معهم ، ولأنهم كانوا أهل نظر في معجزاته صلى اللّه عليه وسلم ، والعلم بنشأته ؛ لأنه قد مرّ أن الخطاب في
--> ( 1 ) حواشي زاده على البيضاوي .