الشيخ علي أحمد عبد العال الطهطاوي

93

عون الحنان في شرح الامثال في القرآن

قوله : يا بَنِي إِسْرائِيلَ [ البقرة : 40 ] لعلماء أهل الكتاب ، فهم أهل النظر والاستدلال بخلاف المشركين وجهلة أهل الكتاب ، فإنهم ليسوا مثل هؤلاء العلماء في أهلية النظر والاستدلال ، وكانوا يستفتحون على الذين كفروا ، أي يطلبون الفتح والنصرة على المشركين ، ويقولون : قد آن بعث النبي الأمى الذي نجده في التوراة والإنجيل ، فإذا بعث فنحن نؤمن به أول الناس كلهم ونقاتلكم معه ، وهو ما يصرح به قوله سبحانه : وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ [ البقرة : 89 ] ، كما أنهم كانوا يبشرون العرب بزمانه صلى اللّه عليه وسلم ، ويقولون : قد أظل زمان نبي يخرج بتصديق ما قلنا من طلب الاستفتاح والنصر ، فنقتلكم معه قتل عاد وإرم ، فهذه الأمور تقتضى أن يكونوا أول من آمن بالقرآن ، وبواسطة اقتضائها يؤمنوا بمحمد صلى اللّه عليه وسلم قبل المشركين والجهلة منهم . تبديل اليهود لآيات اللّه : وقوله سبحانه : وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ [ البقرة : 41 ] ، اختلف في الثمن الذي نهوا أن يشتروه بالآيات ، فقالت طائفة : إن الأحبار كانوا يعلمون دينهم بالأجرة ، فنهوا عن ذلك ، وقيل : كانت للأحبار مأكلة يأكلونها على العلم ، وقال قوم : إن الأحبار أخذوا رشى من الحكام على تغيير صفة محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وقال قوم : معنى الآية لا تشتروا بأوامرى ونواهى وآياتي ثمنا قليلا ، يعنى الدنيا ومدتها ، والعيش الذي هو نزر لا خطر له ، وهذا القول الأخير هو الأليق ، فإن معناه أنهم كفروا بمحمد صلى اللّه عليه وسلم حقدا ، وحسدا ، وجحدا ، وعنادا . كفروا به مخافة أن يفوتهم ما هم فيه من رئاسة ، وسيطرة على العامة ، يعنى غرتهم الدنيا ، ومالت بهم عن الحق الواضح والصراط المستقيم ، نعم لو ثبت أنهم كانوا يأخذون الرشوة ، أو كانت لهم مآكل على العامة ، أو كانوا يأخذون على تعليم التوراة أجرا وهم منهيون عن ذلك ، وجب المصير إليه ، وإلا فالقول الأخير أوفق وأحكم كما تقدم ، ولذلك قال بعض الأئمة : واعلم أن هذا النهى صحيح ، سواء كان فيهم من فعل ذلك أو لم يكن ، بل لو ثبت أن علماءهم كانوا يأخذون الرشى على كتمان أمر الرسول صلى اللّه عليه وسلم وتحريف ما يدل على ذلك كان الكلام أبين .