الشيخ علي أحمد عبد العال الطهطاوي

90

عون الحنان في شرح الامثال في القرآن

تكلف ، إما أن يحمل قوله تعالى : الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ [ البقرة : 40 ] على حذف كلمة ( وعلى آبائكم ) ، وإما أن يجعل الخطاب لجميع بني إسرائيل الحاضرين والغائبين بتغليب الحاضرين ، فإنه لو لم يتكلف أحد هذين الوجهين ، للزم أن يجمع بين الحقيقة والمجاز في قوله تعالى : عَلَيْكُمْ بأن يراد ما أنعم به عليهم وعلى آبائهم . وقيل : أراد بقوله تعالى : أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ ما أنعم به على جميع البشر من خلقهم أحياء قادرين ، ومن خلق جميع ما في الأرض ، ثم تسوية السماوات السبع لينتظم جميع ما يصلح به أمر معاشهم ومعادهم ، إلى غير ذلك من النعم الشاملة لجميع المكلفين ، فعلى هذا فالخطاب وإن كان خاصا ببنى إسرائيل لكونهم مقصودين بالتبكيت ، حيث إن هذه السورة أول سورة نزلت بالمدينة ، وقد آمن من أجلها من آمن ، ولم يبق إلا معاند ، ونعنى ببنى إسرائيل اليهود الذي نسوا نعمة اللّه عليهم ، وتركوا شكرها ، إلا أن جميع الناس يشاركونهم في حكم هذا الخطاب ، وهو وجوب ذكر نعمته تعالى عليهم لما رزقوا من فنون النعم التي لا تحصى ، وعلى هذا يقال : ما دام المراد بالنعمة النعمة العامة لكل البشر ، فلم قيدت النعمة بهم ، حيث وصفها بقوله تعالى : الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ ؟ . فنقول : قصد بهذا استمالة قلوبهم ، وحملهم على أداء شكرها فيما أمر به ونهى عنه ، وهذا المقصود إنما يتم إذا لوحظت النعم باعتبار وصولها إلى المنعم عليه ، مع قطع النظر عن حصولها لغيره ، فإن هذه الملاحظة بهذه الجهة توجب استمالة قلوبهم ، وتحملهم على أداء شكرها . والذي يتخلص في بيان المراد من النعمة عليهم : إما أن يكون المراد بالنعمة عليهم نعم آبائهم خاصة ، ويكون المراد من قوله سبحانه فيما بعد : وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ [ البقرة : 49 ] التأكيد والتقوية لهذا المعنى ، وإما أن يكون المراد نعم آبائهم الماضين ، ونعمه سبحانه عليهم في إدراكهم زمن محمد صلى اللّه عليه وسلم ، ويكون قوله سبحانه : وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ تأكيدا أيضا بالنسبة لنعم الآباء الماضين على ما هو ظاهر ، وإما أن يكون المراد بالنعمة عليهم ما أنعم به على جميع البشر ، كما تقدم إيضاحه ، ويكون قوله : وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ تأسيسا لا تأكيدا كما لا يخفى . ثم ليعلم أن الكلام جرى معهم من هنا يا بَنِي إِسْرائِيلَ [ البقرة : 40 ] إلى