الشيخ علي أحمد عبد العال الطهطاوي
77
عون الحنان في شرح الامثال في القرآن
أقاصيص الأولين ، وأحاديث الآخرين على ما هي عليه ، علم أنه معلم به من اللّه تعالى . وما أبدع قوله تعالى : أَ فَلا تَعْقِلُونَ [ يونس : 16 ] ، أي أفلا تستعملون عقولكم لتعلموا أن مثل هذا الكتاب العظيم ممن لم يتعلم ولم يتتلمذ ، ولم يطالع كتابا ، ولم يمارس مجادلة ، إنه لا يكون إلا على سبيل الوحي . والآية في فحواها ومعناها جواب عما دسوه تحت قولهم : ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ [ يونس : 15 ] من إضافة الافتراء إليه صلى اللّه عليه وسلم ، فهذا محمد قد انقضى شبابه وولى ، وأشرف على نهاية العقد الرابع من عمره ، دون أن يبدو من أمره شئ خارق ، أو يند عن المألوف في قومه إلا اشتهاره بالصدق والأمانة . وفجأة ، وفي هذه الفجاءة السر كل السر ، إذا هذا الرجل الذي قطع ثلثي عمره هادئا ساكنا ، يصبح داعية حق ، فيقذف بالحق الإلهى على الباطل الجاهلي فيدمغه ، آخذا بيد قومه إلى حيث نور الحقيقة الكبرى . ثم لم يلبث أن اتصل صلى اللّه عليه وسلم بملوك الأرض وأباطرتها عن طريق الكتب والرسائل ، يدعوهم إلى الهدى والرشاد ، منذرا لهم بعذاب أليم ، إن هم صموا آذانهم عن سماع دعوته ، واعدا إياهم جنة النعيم إن هم آمنوا برسالته ، ثم أتبع القول العمل ، فسيّر جيوشه في غزوة تبوك إلى حدود الشام . وإن هو إلا وقت يسير بعد وفاته ، حتى قام خلفاؤه الذين استقوا من نبعه واهتدوا بهديه يكتسحون الدنيا شرقا وغربا ، وما هي إلا ثمانون سنة على ما قدره المؤرخون حتى كان أكثر من مائة مليون من البشر يدينون بدين هذا الأمى العربي عن طواعية واختيار وحب وإكبار . واليوم بعد أربعة عشر قرنا من الزمان يزيد أتباعه عن ألف مليون من البشر ، وهم في ازدياد مستمر . وهذا أمر منقطع النظير ، وحدث لم تشهد الدنيا له مثيلا بإجماع أهل الرواية والنقل الذين أنصفوا الحقيقة وصانوا لها حرمتها وقداستها . هذا بالنسبة لتأسيس الدولة وقيامها في تلك المدة الوجيزة ، أما ما احتوته الدعوة من حقائق ونظم وتشريع ، فهو أمر فوق القدر ، ولا يأتي به إلا خالق البشر ، فلو نظرنا إلى ما في القرآن من تشريع لوجدنا فيه من القوانين والمبادئ الأساسية لتنظيم حياة الفرد والجماعة في حالتي السلم والحرب ما لا زيادة عليه لمستزيد ، فالحرية ، والإخاء ، والمساواة ، والشورى ، والتعاون الفردى والجماعي ، كل ذلك نبه عليه القرآن وجلاه منذ