الشيخ علي أحمد عبد العال الطهطاوي

76

عون الحنان في شرح الامثال في القرآن

المطلب الثالث : إثبات رسالة محمد صلى اللّه عليه وسلم : يضطرنا إثبات هذا المطلب ، أن نبين في وجازة ضرورة النبوّات للبشر . قال ابن سينا ، كما نقله العلامة القاسمي في كتابه دلائل التوحيد : من المعلوم أن نوع الإنسان محتاج إلى اجتماع وشركة في ضروريات حاجاته ، مكفيا بآخر من نوعه يكون ذلك الآخر أيضا مكتفيا به ، ولا تتم الشركة إلا بمعاملة ومعاوضة يجريان بينهما ، يفرغ كل واحد منهما صاحبه عن مهم لو تولاه بنفسه لازدحم على الواحد كثير ، ولا بد في المعاملة من سنة وعدل ، ولا بدّ من سان معدل ، ولا بدّ من أن يكون إنسانا ، ولا يجوز أن يترك الناس وآراءهم في ذلك فيختلفون ، ويرى كل واحد منهم ما له عدلا وما عليه جورا وظلما ، فالحاجة إلى هذا الإنسان في بقاء النوع الإنسانى أشد من الحاجة إلى إثبات الشعر على الأشفار والحاجبين ، فلا يجوز أن تكون العناية الأولى تقتضى هذه وتدع تلك التي هي أثبتها ، فلا بد إذن من نبي هو إنسان متميز من بين سائر الناس بآيات تدل على أنها من عند اللّه ، يدعوهم إلى التوحيد ، ويمنعهم من الشرك ، ويسنّ لهم الشرائع والأحكام ، ويحثهم على مكارم الأخلاق ، وينهاهم عن التباغض والتحاسد ، ويرغبهم في الآخرة وثوابها ، ثم يكرر عليهم العبادات ليحصل لهم تذكر المعبود بالتكرير ، واستفادة ملكة الالتفات إلى الحق والإعراض عن الباطل . وفي هذا المطلب أيضا يسلك القرآن الكريم بالجاحدين والمنكرين مسلك الحث على النظر والاستدلال ، وذلك فيما لابسه من أحوال شريفة ، وما اتصف به من خلال كريمة . قال اللّه تعالى في سورة يونس : قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ [ يونس : 16 ] ، جاءت هذه الآية الكريمة ردا على اقتراح المنكرين في الآية السابقة : ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ [ يونس : 15 ] ، وفي هذا الاقتراح منهم رمز وإشارة بأنه إنما أتى بهذا الكتاب من عنده لا من جهة الوحي . وبيان ذلك أن من عاش بين أظهرهم أربعين سنة لم يمارس فيها علما ، ولم يشاهد عالما ، ولم ينشئ قريضا ولا خطبة ، ثم قرأ عليهم كتابا بذت فصاحته كل منطق ، وعلا على كل منثور ومنظوم ، واحتوى على قواعد علمي الأصول والفروع ، وأعرب عن