الشيخ علي أحمد عبد العال الطهطاوي
75
عون الحنان في شرح الامثال في القرآن
عبثا ولا جزافا ، ولكن ليعتبر بها عباده ، وليستدلوا بها على وحدانيته سبحانه ، وكمال قدرته ، وأنه إنما خلقها لمنافع العباد ، بلاغا لهم في دار التكليف ، وعونا لهم على اكتساب ما يسعدهم في دار الجزاء ، وهو معنى قوله : بِالْحَقِّ والباء فيه إما سببية ، أو حالية ، أي ما خلقهما إلا للحق ، أو ملتبسة بالحق مقرونة به ، لا باطلا ، ولا عبثا خاليا عن حكمة بالغة ، ولا لتبقى خالدة ، وإنما خلقها مؤجلة بأجل مسمى ، بعده يكون البعث ، وفي قوله : وَما بَيْنَهُما ما يفيد أن هناك مخلوقات بين السماء والأرض بها كمال المنافع ، وتمام النظام . وإما أن يكون قوله : فِي أَنْفُسِهِمْ هو متعلق التفكير وموضوعه ، والمعنى عليه : هلا تفكروا في أمر أنفسهم التي هي أقرب المخلوقات إليهم ، وهم أعلم بأحوالها ، حتى يتضح لهم كمال قدرة اللّه تعالى ، فإن من تفكر في تشريح بدن الإنسان ، وما أودع فيه من غرائب التدبير الإلهى ، حصل له العلم القطعي بأن اللّه تعالى فاعل مختار ، كامل العلم والقدرة ، منزه عن الشركاء والأنداد ، وحصل له كذلك العلم بحقيقة البعث والجزاء ؛ لأنه إذا تفكر في نفسه يرى قواه صائرة إلى الزوال ، وأجزاءه ماثلة إلى الانحلال ، فيقطع ، بأنه سيفنى عن قريب ، فلو لم يكن له حياة أخرى ، لكان خلقه على هذا النحو عبثا ، كما أشير إليه بقوله تعالى : أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ [ المؤمنون : 115 ] ، وهذا ظاهر ؛ لأن من بالغ في تدبير شئ سيفنى عن قريب بالكلية ، وصوره أحسن تصوير ، واعتنى في انتظام أحواله أبلغ ما يمكن من الاعتناء ، مع علمه بأنه يصير عن قريب كأن لم يكن شيئا مذكورا ، لا شك أن يضحك منه ويتعجب من سفاهته ، فمن تفكر في شأن نفسه على هذا الوجه علم أنه تعالى خلقه للبقاء ، ولا بقاء إلا بالحشر ، فظهر أن تفكر الإنسان في أمر نفسه يؤديه إلى القطع بأن العالم كله له ، إله واحد قادر على الإبداء والإعادة ، ويكون قوله تعالى : ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى [ الروم : 8 ] ، جملة مستأنفة لا تعلق لها بما قبلها ، ذكرت بعد إقامة دليل الأنفس استدلالا بدليل الآفاق . وبعد ، فهذه براهين يقينية قطعية على إمكان البعث وجوازه ، وأما تحقق الوقوع ، فليس له إلا إخبار الصادق المصدوق الذي قامت المعجزة القاهرة على صدقه ، وهو الرسول محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وهذا ما يستدعينا أن نتكلم عن المطلب الثالث الذي أنكره الماديون ، وهو إثبات رسالة محمد ، صلوات اللّه وسلامه عليه .