الشيخ علي أحمد عبد العال الطهطاوي

74

عون الحنان في شرح الامثال في القرآن

كما في لِنُبَيِّنَ اعتناء ببلوغ الأشد ، حيث يكون عنده التكليف ، إذ هو المقصود من الإقرار في الرحم ، والمعنى : نمد أجلكم لتصلوا بهذا الانتقال إلى كمالكم في القوة والعقل . المرتبة السابعة : وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً [ الحج : 5 ] ، أي ومنكم من يتوفّى عند بلوغ الأشد أو قبله ، ومنكم من يرد بالشيخوخة إلى أخس العمر ، وهو سن الهرم ، فتنقص جميع قواه ، ويعود كهيئته الأولى في أوان الطفولة من سخافة العقل وقلة الفهم ، فينسى ما علمه وينكر من عرفه ، فما أعظم هذه الدلالات على المراد ، وما أوضح هذه الحالات على المقصود ، فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [ الحج : 46 ] . ولما تم هذا الدليل بأحكم المقدمات وأصح النتائج ، وكان أول الإيجاد فيه غير مشاهد ، وهو قوله تعالى : خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ [ الحج : 5 ] ، ذكر سبحانه دليلا آخر على البعث مشاهدا في كل أحواله وملابساته ، وهو قوله جل شأنه : وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً ، أي ساكنة يابسة ، فَإِذا أَنْزَلْنا بما لنا من القدرة ، عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ تحركت وتأهلت لإخراج النبات وَرَبَتْ أي ارتفعت ، وذلك أول ما يظهر منها للعين ، ونمت بما يخرج منها من النبات الناشئ من التراب والماء وَأَنْبَتَتْ فيه مجاز ؛ لأن اللّه تعالى هو المنبت ، وأضيف إلى الأرض توسعا ، مِنْ كُلِّ زَوْجٍ صنف بَهِيجٍ [ الحج : 5 ] حسن المنظر ، نضير باختلاف الألوان ، والطعوم ، والروائح ، والأشكال ، والمنافع ، والمقادير . الموضع الثالث من سورة الروم : قال اللّه تعالى : أَ وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى [ الروم : 8 ] . قوله تعالى : فِي أَنْفُسِهِمْ ، إما أن يكون ظرفا للتفكير ، والمعنى : أو لم يشغلوا قلوبهم الفارغة عن الفكر بالفكرة الصالحة ، والتفكير وإن كان محله القلب ، إلا أنه زيد قوله : فِي أَنْفُسِهِمْ لزيادة تصوير حال المتفكرين ، كما يقال : أبصره بعينه وأضمره في نفسه ، وعلى هذا يكون المتفكر فيه هو قوله : ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ على ما هما عليه من النظام المحكم ، والقانون المتقن ، فيعلموا أن اللّه تعالى لم يخلقهما