الشيخ علي أحمد عبد العال الطهطاوي
48
عون الحنان في شرح الامثال في القرآن
بمعنى العموم ، ويصح أن يكون راجعا إلى الإنسان الكافر في قوله : قُتِلَ الْإِنْسانُ [ عبس : 17 ] ، والمعنى عليه أن ذلك الإنسان الكافر لم يقض ما أمره به ربه من التأمل في دلائل عجائب خلق اللّه تعالى « 1 » . ثانيا : آيات في إمداد الإنسان بما يحتاج إليه من رزق وطعام : قدمنا دلائل القرآن على الماديين في إثبات وجود الباري بذكر خلق الإنسان ، وتطوراته ، وبيان نشأته ، وهي وقائع محسوسة ، وآيات ملموسة لا يتأتى لعاقل إنكارها ، ولا يستطيع ذو فطرة سليمة أن يجحدها ، اللهم إلا عند من خسر نفسه ، وكفر بالضروريات والمشاهدات ، وصدق اللّه إذ يقول : وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ [ لقمان : 32 ] . ثم إن اللّه تعالى أمد الإنسان بإمدادات هي قوام حياته ، وأصل غذائه ومعاشه ، وأساس منافعه وحاجاته ، هي أيضا براهين ودلائل على وجود الخالق سبحانه ، منعما عظيما ، وبرا رحيما ، ومتفضلا دائم الفضل ، عميم الكرم . ونسوق فيما يأتي بعض هذه الإمدادات ، وتلك النعم ، بيانا للضالين ، وعظة وعبرة للمتقين .
--> ( 1 ) قبل أن ندع الحديث عن خلق الإنسان ، أحب أن أشير إلى رأى علمي ساقه الدكتور جمال الدين حسين مهران ، بكلية الصيدلة ، جامعة القاهرة ، ونشر في جريدة الأهرام ( 28 / 8 / 1981 ) بيانا للآية الكريمة : فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ : يأمرنا اللّه أن ينظر الإنسان في نشأته كي يحس بدلائل قدرة خالقه ؛ ليستدل بذلك أن الذي أنشأه قادر على إعادة خلقه بعد موته . وقد خلق الإنسان من ماء متدفق يندفع من بين الصلب ، وهو منطقة العمود الفقرى ، والترائب وهي عظام الصدر . وقد أبانت دراسات علم الأجنة الحديثة أن نواة الجهاز التناسلى والجهاز البولى في الجنين تظهر بين خلايا الطبقة الجرثومية الوسطى الموجودة بين المنطقة الصدرية والمنطقة القطنية أو البطنية للعمود الفقرى ، وتبقى الكلى في مكانها ، وتنزل الخصية إلى مكانها المعروف في الصفن عند الولادة ، وعلى الرغم من انحدار الخصية إلى أسفل ، فإن الشريان الذي يغذيها بالدم طيلة حياتها يتفرع من الأورطية بحذاء الشريان الكلوى . كما أن العصب الذي ينقل الإحساس إليها ، ويساعدها على إنتاج الحيوانات المنوية ، وما يصاحب ذلك من سوائل ، متفرع من العصب الصدري العاشر الذي يغادر النخاع الشوكي بين الضلعين العاشر والحادي عشر ، مما يظهر أن الأعضاء التناسلية وما يغذيها من أعصاب وأوعية دموية تنشأ من موضع في الجسم بين الصلب والترائب ، أي بين المنطقة القطنية والمنطقة الصدرية للعمود الفقرى .