الشيخ علي أحمد عبد العال الطهطاوي

49

عون الحنان في شرح الامثال في القرآن

1 - قال اللّه تعالى في سورة عبس : فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا وَعِنَباً وَقَضْباً وَزَيْتُوناً وَنَخْلًا وَحَدائِقَ غُلْباً وَفاكِهَةً وَأَبًّا مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ [ عبس : 24 - 32 ] . تفسير إجمالى : فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ ، أي يوقع النظر التام بكل شئ يقدر عليه من بصر وبصيرة ، إِلى طَعامِهِ [ عبس : 24 ] الذي هو قوام حياته ، كيف هيأ له أسباب المعاش ليستعد بها إلى المعاد . وقوله تعالى : أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا [ عبس : 25 ] ، بفتح الهمزة على البدل من طَعامِهِ بدل اشتمال ، بمعنى أن صب الماء سبب في إخراج الطعام ، فهو أي إخراج الطعام ، مشتمل عليه ، أو بمعنى أن هذه الأشياء ، أعنى صب الماء وشق الأرض ، مشتملة على الطعام ؛ لأن معنى قوله تعالى : إِلى طَعامِهِ إلى حدوث طعامه ، فالاشتمال على هذا من باب اشتمال الثاني على الأول ؛ لأن النظر والاعتبار إنما هو في الأشياء التي يتكون منها الطعام لا في الطعام نفسه ، وقوله سبحانه : ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا [ عبس : 26 ] ، أي بعد مهلة من إنزال الماء شققنا الأرض بالنبات ، الذي هو في غاية الضعف عن شق أضعف الأشياء ، فكيف بالأرض الصلبة ؟ ! ثم سبب عن هذا الشق ما هو كالتفسير له ، فقال تعالى : فَأَنْبَتْنا بما لنا من القدرة التامة فِيها حَبًّا [ عبس : 27 ] ، جمع حبة ، بفتح الحاء ، هو ما يحصده الناس ويدخرونه ، كالقمح ، والشعير ، وأما الحبة ، بكسر الحاء ، فهو كل ما ينبت من البذور لا يحفل به ، ولا هو يدخر ، وقدم الحب على غيره من المذكورات ؛ لأنه كالأصل في التغذية . وَعِنَباً ذكره بعد الحب ؛ لأنه غذاء من جهة ، وفاكهة من جهة ، وَقَضْباً [ عبس : 28 ] . قال ابن عباس ، رضى اللّه عنهما : هو الرطب ؛ لأنه يقتضب من النخل ، أي يقطع ، ورجحه بعضهم لذكره بعد العنب ؛ لأنهما يقترنان كثيرا . وَزَيْتُوناً ، وهو ما يعصر منه الزيت ، وَنَخْلًا [ عبس : 29 ] ، جمع نخلة ، فكل من هذه الأشجار مخالف للآخر في الشكل والحمل ، وغير ذلك ، مع الموافقة في الأرض ، والسقي ، فليتدبر هذا جيدا . وَحَدائِقَ غُلْباً [ عبس : 30 ] ، الحديقة الشجر الذي قد أحدق بجدار ونحوه ،