الشيخ علي أحمد عبد العال الطهطاوي

142

عون الحنان في شرح الامثال في القرآن

عبادة اللّه الواحد الأحد ، وعندما يعرض الجاه ، والسؤدد ، والمال ، والغنى فيرفض ، فمن يكون الرسول إلا هذا ، الحق أن الملاحدة الماديين عندما ينكرون كل شئ : اللّه ، والرسل ، والوحي ، هم أكثر منطقا من هؤلاء الذين يؤمنون باللّه وبالوحي ، ثم يكفرون برسول ينزل عليه الوحي من عند اللّه فعلا . تفوق الإسلام على سائر الأديان : ومن هنا قلنا من قبل ، ونكرّر تفوّق المسلمين على سائر معتنقي الأديان الأخرى ، فهم يؤمنون بأن جوهر الديان واحد ، والاختلاف لا يكون إلا في التفاصيل ، حيث ينسخ المتأخر المتقدم ، ويقولون بقول القرآن ، لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ [ البقرة : 285 ] . ومعلوم أن هذه الآيات التي نحن بصددها قد جاءت في سياق الحديث عن النفاق ، وهو إظهار خلاف الباطن ، والتربص لاستغلال الفرص والمناسبات . وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا [ النساء : 150 ] : وهذا هو النفاق بعينه ، والحديث هنا عن يهود المدينة ، ولكنه صالح لكل زمان ومكان ، كما قدمنا ، فهم يريدون أن يقولوا لسيدنا محمد : أنهم يؤمنون باللّه ، وإبراهيم ، وموسى ، ويقولون للمشركين : أنهم يكفرون بمحمد ، ولكن اللّه سبحانه وتعالى ينزل حكمه على هذا النوع من السلوك . أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا [ النساء : 151 ] : فهذا هو الكفر الصراح ، إذ يعبر القرآن بكلمة حَقًّا . وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً [ النساء : 151 ] : أي وأعددنا لِلْكافِرِينَ ، ولقد ذكر لفظ الكافرين مرة ثانية ؛ ليكون أمعن في التوكيد وأشد عَذاباً مُهِيناً ، أي أنه عذاب لا يقتصر على الناحية المادية ، وهو الألم ، بل إنه عذاب معنوي كذلك ، إذ هو مهين ، أي مذل من الإهانة . وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ [ النساء : 152 ] : وفي مقابل اليهود والنصارى الذين زعم كل منهما أنه يؤمن برسوله فقط ، يقوم المسلمون الذين يؤمنون باللّه ، وموسى ، وعيسى ، وإبراهيم . . . إلخ ، وهذا ما يجعل الرسالة الإسلامية أشد تكاملا ، وأكثر منطقية ، فمتى آمن إنسان باللّه ، وأنه يوحى لبعض عباده بمشيئته ، فعلى أي أساس يكون الإيمان بالبعض والإنكار على البعض الآخر إلا أن يكون التعصب الأعمى .