الشيخ علي أحمد عبد العال الطهطاوي
141
عون الحنان في شرح الامثال في القرآن
باللّه وبموسى كنبي مرسل ، ولكنهم لا يؤمنون برسالة سيدنا محمد ، عليه الصلاة والسلام ، ولكن الآية صيغت بحيث تنطبق على كل زمان ومكان . لا إيمان باللّه بدون الإيمان برسله : فلا يمكن لزاعم أن يزعم أنه يؤمن باللّه ، ولكنه لا يؤمن برسله ؛ لأن معنى الإيمان باللّه ، أنه هو الذي خلق الإنسان ، وخلقه لغاية ، والرسل هم الذين عرّفونا بهذه الغاية ، وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [ الذاريات : 56 ] ، ويكون معنى عدم تحقيق هذه الغاية التي جاء بها الرسل ، هو عدم الإيمان باللّه ، وإلا كان الإيمان باللّه وعدمه سواء بسواء ، فما جدوى إيمان لا يترتب عليه شئ على الإطلاق ، وما أشنعه من كفر أن نقول : أن اللّه قد خلق الخلق ، ثم تركهم لشأنهم لا يعرفون ما يأمرهم به وما ينهاهم عنه ، وهو ما لا نعرفه إلا عن طريق الرسل ، فعبث وسفسطة ، أن يقول قائل : أؤمن باللّه ، ولكني لا أؤمن برسله ، فأحدهما لازم للآخر ، بحيث يزول بزواله ، ولقد قلنا من قبل ، ونقول : أن لا فكاك للإنسان ، أي إنسان ، من الإقرار بوجود قوة عظمى وراء هذا الكون ، يسميها من لا يؤمنون باللّه : الطبيعة ، أو المادة ، أو المادية الجدلية ، فمن يؤمن باللّه دون الإيمان برسله وما جاءوا به من تعاليم ، فهم لا يزيدون عن كونهم أضافوا كلمة جديدة إلى جوار كلمات الطبيعة والمادة . . . إلخ . وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ [ النساء : 150 ] ، ويساوى ما تقدم من حيث الكفر باللّه ، محاولة التفريق بين الرسل ، فيقال على سبيل المثال : نؤمن بموسى ، أو بعيسى ، ولكنا نكفر بمحمد ، فمثل هذا القول هو كفر صراح . كما سوف ينص القرآن في الآية التالية ، ذلك أن الإيمان برسول واحد يعنى الإيمان بالوحي ، باعتباره الواسطة بين اللّه والإنسان ، فإذا جاء إنسان يقول : إنه يوحى إليه ، وكان ما يقول هو من نوع ما جاء به الرسول الأول ، وأثبتت الأحداث أن كل ما قاله ويقوله هو صدق في صدق ، ومن فوقه ومن قبله صدق ، فعلى أي أساس تنكر رسالته ، إلا أن يكون إنكار الوحي ، وبهذا نعود إلى الكفر باللّه ، وأنه يوحى إلى البشر . سئل السيد المسيح : يا معلم ، سيكون من بعدك أنبياء كذبة ، فكيف نعرفهم ؟ فكان جوابه : من نمارهم تعرفونهم ، فعند ما يجيء سيدنا محمد صلى اللّه عليه وسلم يدعو للتوحيد ، ويحارب الوثنة والأصنام ، ويعذب ويضطهد هو ومن اتبعه ، فلا يزيدهم ذلك إلا إصرارا على