الشيخ علي أحمد عبد العال الطهطاوي

127

عون الحنان في شرح الامثال في القرآن

ولكن البر ما في هذه الآية . وبعضهم عمها في المسلمين وأهل الكتابين ، أي ليس البر مقصورا بأمر القبلة . ومقصودنا من هذه الآية لا يختلف على أي قول من الأقوال كما قدمنا آنفا . كذلك جاء في آخر هذه السورة قوله تعالى : آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ . فهذه دلائل صادقة وبراهين قوية دامغة على ما قلناه في بيان حقيقة الإيمان المنجى ، من أخل بجزئية من هذه الحقيقة ، فإيمانه غير صحيح ولا معتبر شرعا ، بمعنى أن من فرّق في إيمانه بين كتاب وكتاب ، أو رسول ورسول ، أو ما إلى ذلك ، فهو كافر . قال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً [ النساء : 150 ، 151 ] . وقال حكاية عن اليهود خاصة : وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ [ البقرة : 89 ] ، إلى أن قال : وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ [ البقرة : 91 ] . فالفروق التي ذكرها الكاتب في كلامه الذي ذكرناه قبل لا تؤمن بمحمد صلى اللّه عليه وسلم ولا بقرآنه ، فهي كافرة بمقتضى هذه النصوص القرآنية ، وما دامت كافرة فلن يقبل اللّه تعالى لها عملا عنده في دار البقاء ، قال تعالى : مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ [ إبراهيم : 18 ] ، يعنى : فكل عمل طيب يصدر عن الكافر من صدقة ، وصلة رحم ، وفك أسير ، وإقراء ضيف ، وبر والد ، في عدم الانتفاع به ، كرماد اشتدت به الريح ، فلم تبق له عينا ولا أثرا ، فهم لا يجدون لهذا العمل ثوابا عند اللّه تعالى لفقد شرطه ، وهو الإيمان الصحيح ، وقال تعالى : وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً [ الفرقان : 23 ] ، يعنى قصدنا إلى أعمالهم التي عملوها من مكارم الأخلاق ، كالجود ، وإغاثة الملهوف ، ونحو ذلك ، فَجَعَلْناهُ ، لكونها لم تؤسس على الإيمان ، هَباءً وهو ما يرى من شعاع الشمس الداخل من كوة مما يشبه الغبار