الشيخ علي أحمد عبد العال الطهطاوي

128

عون الحنان في شرح الامثال في القرآن

مَنْثُوراً أي مفرقا فهو مثله في عدم النفع ، إذ لا ثواب فيه لعدم شرطه . قال العلماء : وإن كانوا قد يجازون عليه في الدنيا . وما دامت أعمالهم الصالحة لا ثواب عليها لفقد شرطها وهو الإيمان ، فليس لهم إلا النار مستقرا ومقيلا . ثم إن الكاتب لما استشهد على دعواه بالآية الكريمة ، قال بعدها مباشرة : وقد تكررت هذه الآية في القرآن بنصها ومعناها أكثر من مرة حتى أصبحت بمثابة قاعدة أساسية من قواعد الدين الإسلامي ، حتى لقد جعل منها تشريعا قائما عندما أباح للمسلم أن يتزوج بكتابية على غير دينه ، وأن تبقى على دينها . أما بالنسبة للآية ، فنقول : لا يمكن أبدا في ميزان العقل السليم والمنطق الصحيح أن تفهم الآية على ما يبدو منها للكاتب بعد أن بين القرآن حقيقة الإيمان ، وما يجب على المكلف أن يؤمن به ، وبعد أن حكم بالكفر على من كذّب وفرّق بين رسول ورسول ، كما قدمنا كل ذلك صريحا دون لبس أو غموض ، وإلا لكان القرآن من عند غير اللّه تعالى ، تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا . وإذن فلا بد من فهمها على هذه الحقائق ، وعلى أساس هذه الأصول ، وتلكم الحجج القوية الدامغة . قال أئمة التفسير : اختلف في الذين آمنوا في هذه الآية ، فقالت فرقة : « الَّذِينَ آمَنُوا » هم المؤمنون حقا بنبينا محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وقوله : « مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ » يكون فيهم بمعنى من ثبت ودام ، وفي سائر الفرق بمعنى من دخل فيه . وقالت فرقة : المراد بالذين آمنوا ، المؤمنون بالأنبياء قبل بعثة نبينا محمد صلى اللّه عليه وسلم ، ويكون المعنى : أن الذين آمنوا على التحقيق في زمن الفترة مثل : قس بن ساعدة ، وورقة بن نوفل ، وبحيرا الراهب ، وأبي ذر الغفاري ، وسلمان الفارسي ، وهؤلاء هم أصحاب الإيمان الحق قبل ظهور النبي صلى اللّه عليه وسلم ، والذين كانوا على الدين الباطل المبدل من اليهود والنصارى والصابئين من آمن منهم باللّه واليوم الآخر وبمحمد صلى اللّه عليه وسلم عند إدراكهم زمنه ، فلهم أجرهم . . . إلخ . فالآية تبين بهذا أن أي دين قبل ظهور محمد صلى اللّه عليه وسلم لو كان صحيحا لا ينفع المتدينين به عند ظهوره صلى اللّه عليه وسلم ، وعليهم أن يؤمنوا بالقرآن ، وبما جاء به ، عليه السلام ، إذا أدركوا زمنه ، وإلا فهم هالكون ، ومن باب أولى ما إذا كان باطلا ومبدلا كدين اليهود والنصارى ، فلو فرض أن إنسانا قبل ظهور بعثة النبي صلى اللّه عليه وسلم كان يقول : أشهد أن لا إله إلا اللّه وأن عيسى