الشيخ علي أحمد عبد العال الطهطاوي

115

عون الحنان في شرح الامثال في القرآن

ولذلك اتبعه الَّذِي يَجِدُونَهُ أي علماء اليهود مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ باسمه ونعته ، ولكنهم كتموا ذلك وبدلوه وغيروه حسدا منهم وخوفا على زوال رياستهم ، وقد حصل لهم ما كانوا يخافونه ، فقد زالت رياستهم ووقعوا في الذل والهوان . وقوله تعالى : يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ يجوز أن يكون استئنافا ، ويجوز أن يكون المعنى يجدونه مكتوبا عندهم أنه يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر . . . إلخ ، ويحتمل أن يكون متعلقا ب يَجِدُونَهُ في موضع حال على تجوز ، أي يجدونه في التوراة آمرا بشرط وجوده . حقيقة المعروف والمنكر : المعروف ما عرف بالشرع ، وكل معروف من جهة المروءة فهو معروف بالشرع ، والمنكر مقابله . قال الرازي : ومجامع المعروف في قوله صلى اللّه عليه وسلم : « التعظيم لأمر اللّه والشفقة على خلق اللّه » ، وذلك لأن الموجود إما واجب الوجود لذاته ، وإما ممكن لذاته . أما الواجب لذاته : فهو اللّه تعالى ، لا معروف أشرف من تعظيمه ، وإظهار الخشوع ، والخضوع على باب عزته ، والاعتراف بكونه موصوفا بصفات الكمال ، مبرءا عن النقصان والآفات ، منزها عن الأنداد والأضداد . وأما الممكن لذاته : فإن لم يكن حيوانا ، فلا سبيل إلى ايصال الخير إليه ؛ لأن الانتفاع مشروط بالحياة ، ومع ذلك فإنه يجب النظر إلى كلها بعين التعظيم من حيث إنها مخلوقة للّه ، ومن حيث إن كل ذرة من ذرات المخلوقات لما كانت دليلا ظاهرا ، وبرهانا باهرا على توحيده وتنزيهه ، فإنه يجب النظر إليه بعين الاحترام ، ومن حيث إن للّه سبحانه وتعالى في كل ذرة من ذرات المخلوقات أسرارا عجيبة وحكما خفية ، فيجب النظر إليها بعين الاحترام . وأما إن كان المخلوق من جنس الحيوان ، فإنه يجب الشفقة عليه بأقصى ما يقدر الإنسان عليه ، ويدخل فيه بر الوالدين ، وصلة الأرحام ، وبث المعروف ، فيثبت أن قوله صلى اللّه عليه وسلم : « التعظيم لأمر اللّه والشفقة على خلق اللّه » ، كلمة جامعة لجميع جهات الأمر بالمعروف . ولا شك أن المنكر هو ضد الأمور المذكورة . قوله تعالى : وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ أي ما حرّم عليهم في شرعهم ، كالشحوم ،