الشيخ علي أحمد عبد العال الطهطاوي
116
عون الحنان في شرح الامثال في القرآن
ويحرّم عليهم الخبائث ، أي كالدم ، ولحم الخنزير ، والربا ، وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ ، أي ثقلهم الذي كان يحمل عليهم ، وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ من الدين والشريعة ، وذلك مثل قتل النفس في التوبة ، وقطع الأعضاء الخاطئة ، وقرض النجاسة من البدن ، والثوب بالمقراض ، وغير ذلك من الشدائد التي كانت على بني إسرائيل ، شبهت بالأغلال التي تجمع اليد إلى العنق ، كما أن اليد لا تمتد مع وجود الغل ، فكذلك لا تمتد على الحرام الذي نهيت عنه ، وكانت هذه الأثقال في شريعة موسى ، عليه السلام ، فلما جاء محمد صلى اللّه عليه وسلم نسخ ذلك كله ، ويدل عليه قوله صلى اللّه عليه وسلم : « بعثت بالحنفية السهلة السمحة » . فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ أي بمحمد صلى اللّه عليه وسلم ، وَعَزَّرُوهُ أي وقّروه وعظموه ، وأصل التعزير المنع والنصرة ، وتعزير النبي صلى اللّه عليه وسلم تعظيمه ، وإجلاله ، ودفع الأعداء عنه ، وَنَصَرُوهُ على أعدائه وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أي القرآن ، سمى نورا لأنه به تستنير قلوب المؤمنين ، فتخرج من ظلمات الشك والجهالة إلى ضياء اليقين والعلم . ولا يقال : إن القرآن ما أنزل مع شخص محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وإنما نزل مع جبريل . لأنا نقول : معناه لأنه أنزل مع شخصه صلى اللّه عليه وسلم ؛ لأن نبوّته ظهرت مع ظهور القرآن ، ثم إنه تعالى لما ذكر هذه الصفات ، قال : أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ، أي الفائزون بالمطلوب في الدنيا والآخرة . عموم الدعوة الإسلامية : وقوله سبحانه : قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً [ الأعراف : 158 ] ، هذا أمر اللّه تعالى لنبيه بإشهار دعوته ، وهذه من خصائصه صلى اللّه عليه وسلم من بين سائر الرسل ، فإنه صلى اللّه عليه وسلم بعث إلى الناس كافة ، وإلى الجن عامة ، وكل نبي بعث إلى قومه خاصة ، لقوله صلى اللّه عليه وسلم : « أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي : أرسلت إلى الأحمر والأسود ، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ، ونصرت على عدوى بالرعب منى مسيرة شهر ، وأطعمت الغنيمة دون من قبلي ، وقيل لي : سل تعطه ، واختبأت شفاعتي لأمتي » . فإن قيل : كان آدم ، عليه السلام ، مبعوثا إلى جميع أولاده ، ونوح لما خرج من السفينة كان مبعوثا إلى الذين كانوا معه ، مع أن جميع الناس في ذلك الزمان ما كانوا إلا ذلك القوم . أجيب بأن ذلك لم يكن لعموم رسالتهما ، بل للحصر المذكور ، فليس ذلك من باب عموم الرسالة .