الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
50
نفحات القرآن
وقد وردت نفس هذه المضامين وبشكل أوسع في أحاديث النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وروايات المعصومين عليهم السلام ، والّتي تشكّل قسماً كبيراً من فقه الإسلام والكتب الفقهية ، ولو أردنا فصل هذه المسائل عن الروايات والكتب الفقهية لما بقي هنا لك ما يعتد به . وكما تقدم فالكتب الفقهية تقسم إلى ثلاثة أقسام ، وهي « العبادات » ، و « المعاملات » ، و « السياسة » . فالعبادات هي علاقة الخلق بالخالق . والمعاملات هي علاقة الناس بعضهم ببعض . كما وأنّ السياسة هي علاقة الناس بالحكومة . لكن لو دققنا النظر ، لوجدنا أنّ قسم السياسة ليس الوحيد الذي لا يطبق بغياب الحكومة ، بل إنّ المعاملات أيضاً لو لم تكن تحت اشراف الحكومة لحدثت الآلاف من المصاعب والعراقيل ، ولضاعت حقوق المستضعفين ، وانقسم المجتمع إلى قطبين أغنياء وفقراء ، ولعانى الشعب من مئات المشاكل المصطنعة . بل وحتى العبادات لا تُقام إلّافي ظل حكومة قوية عادلة ، ومن العبادات الحج وهو فريضة ذات صبغة سياسية قوية جدّاً . وصلاة الجمعة عبادة مهمّة أخرى ، حيث إنّه وفضلًا عن الحضور الواسع لكل شرائح المجتمع فيها ، فإنّ أهم القضايا الإسلامية والسياسية والاجتماعية والثقافية المعاصرة تطرح في خطبتيها . كما أنّ صلاة الجماعة اليومية لا تخلو من هذا المحتوى أيضاً ، وإن كانت صبغتها السياسية أقل درجة . وفي سورة الحج إشارة لطيفة إلى هذه الأمور ، يقول تعالى : « الَّذِينَ انْ مَكَّنَّاهُمْ فِى الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وآتُوا الزَّكاةَ وأَمَرُوا بِالمَعرُوفِ ونَهَوا عَنِ المُنكَرِ » . ( الحج / 41 ) وممّا تقدّم ، لا يبقى هناك أدنى شك في أنّ فصل التعاليم الإسلامية عن المسائل السياسية أمر غير ممكن ، وأنّ الشعارات التي تُطلق في الغرب لفصل الدين عن السياسة