الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

40

نفحات القرآن

وبناءً على هذا ، فاحترام آراء الناس يكتسب مشروعيته من أمره تعالى . هذا من جهة ومن جهة أخرى ، فالنبي صلى الله عليه وآله وخلفاؤه المعصومون ، وكذلك العلماء الذين يكتسبون مشروعيتهم بالواسطة من قبله سبحانه باعتبارهم من مصاديق « الولي الفقيه » ملزمون برعاية مصالح الناس في كل مكان وزمان ، أي الاهتمام بغبطة العامّة كما يصطلح عليه ، ومن البديهي أنّ مصلحة الناس تستلزم اسهامهم في أمر الحكومة نوعاً ما والاصغاء لآرائهم ، وبهذا يكتسب الاهتمام بآرائهم صبغة إلهيّة . وبعبارة أخرى ، فالحكومة الإلهيّة إنّما تبدو منسجمة حينما تتمتع بقدرة تنفيذية عالية ، ولا سبيل إلى هذه القدرة إلّابمشاركة الشعب في أمر الحكومة ، وبما أنّ تنفيذ الأحكام الإلهيّة واجب ، فيكون اسهام الشعب في أمر الحكومة مقدّمة لذلك الواجب ، ومقدّمة الواجب واجبة . وخلاصة الكلام : ، إنّ جوهر الحكومة الإسلامية هو الحكومة الإلهيّة ، لكن هذه الحكومة تنبع في خاتمة المطاف من الحكومة الشعبية ، فتعيين الأنبياء والأئمّة وخلفائهم يشكل جوهر الحكومة الإلهيّة ، والتزام هؤلاء بمسألة الشورى واحترام آراء الشعب الذي يكون بأمر اللَّه تعالى أيضاً ، يشكل الصبغة الشعبية لها . فالذين يتصورون أنّ الحكومة الإسلامية متكئة على آراء الشعب مائة بالمائة ، ويهملون عنصرها الإلهي ، يذهبون شططاً ، كما أنّ الذين يولون اهتمامهم للجانب الإلهي ويغضون الطرف عن جانب الشورى وآراء الشعب مخطئون أيضاً . وسنتناول في الأبحاث القادمة ( في بحث البيعة والشورى ) هذا الأمر بتفصيل أكثر . وعلى أيّة حال ، فكيف يمكن تجاهل هذه الحقيقة ، وهي أنّ مشاركة الشعب في أمر الحكومة تضيف قدرة ومنعة للحكام ، كما أنّهم أعجز ما يكونون عند غياب مشاركة الشعب ، كما يقول أمير المؤمنين عليه السلام في الخطبة الشقشقية : « أَمَا وَالَّذِي فَلَقَ الحَبَّةَ وَبَرءَ النَّسَمَةَ لَولَا حُضُورُ الحَاضِرِ وَقِيَامُ الحُجَّةِ بِوُجُودِ النَّاصِرِ وَمَا أَخَذَ اللَّهُ عَلَى العُلَمَاءِ إلَّايُقَارُّوا عَلَى كِظَّةِ ظَالِمٍ وَلا سَغَبِ مَظلُومٍ ، لَأَلقَيتُ حَبلَهَا عَلَى غَارِبِهَا » « 1 » .

--> ( 1 ) نهج البلاغة ، الخطبة 3 .