الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
30
نفحات القرآن
أيضاً . وكان يقول : « يَا قَومِ الَيْسَ لِى مُلكُ مِصرَ وَهَذِهِ الأَنهَارُ تَجرِى مِن تَحتِى أَفَلَا تُبْصِرُونَ » . ( الزخرف / 51 ) إنّه لم يقنع بحكومته المستبدة على الشعب فحَسب ، بل كان يتوقع أن يعبده الجميع ولا يعبدون غيره ! ولذا قال لموسى عليه السلام : « لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهاً غَيرِى لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ » . ( الشعراء / 29 ) وحتّى أنّه كان يتصوّر ان من يُريد الاعتقاد والإيمان بشخص يدّعي النبوّة بعد ما رأى معجزاته لا يمكن أن يفعل ذلك إلّابعد موافقته وإذنه ! ولذلك نرى أنّه وبّخَ السحرة الذين آمنوا بموسى عليه السلام بعد مشاهدة أدلّته ومعجزاته حيث قال : « قَالَ فِرعَونُ آمَنتُم بِهِ قَبلَ ان آذَنَ لَكُم » . ( الأعراف / 123 ) ونرى انموذجاً آخر لحكومة مستبدة أخرى ألا وهي حكومة « نمرود » والذي صَرَّحَ مخاطباً إبراهيم عليه السلام : « أنا أحيي وأميت » ولكنه واجه بعد ذلك استدلال إبراهيم عليه السلام الدامغ عندما قال له : « فَإِنَّ اللَّه يَأْتِى بِالشَّمسِ مِنَ المَشرِقِ فَأتِ بِهَا مِنَ المَغرِبِ فَبُهِتَ الَّذِى كَفَر » . ( البقرة / 258 ) والحقيقة أنّ الناس جميعاً وحتى السلاطين المستبدين أنفسهم كانوا يعلمون بهذه الحقيقة وهي أنّ الملوك مفسدون في الأرض ومخلّون بأنظمة المجتمع الإنساني ، ولذا نقرأ في القرآن الكريم أنّه عندما وصلت رسالة سليمان عليه السلام إلى بلقيس ملكة سبأ ، وبدأت تحقيقاتها حول سليمان لتبَيّن فيما إذا كان ملكاً مستبداً أو نبيّاً مُرسلًا ، فأرسلت إليه الهدايا ، وقالت معبّرةً عن قلقها : « انَّ المُلُوكَ اذَا دَخَلُوا قَريَةً أَفسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهلِهَآ اذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ » . ( النّمل / 34 ) فقد كان الملوك يضطهدون ويعذّبون مخالفيهم بأبشع الصور بل حتى يدفنوهم أحياءً ، وقد ورد ذلك في سورة البروج التي تتحدّث بعض آياتها عن أصحاب الأخدود ( إذ يذكر التاريخ أنّ الملك « ذو نواس » أصْدر أمراً بحفر خندق ووضع كمية كبيرة من الحطب فيه وأشعل ناراً عظيمة ثم قذف ببعض المسلمين الذين فضّلوا البقاء على دينهم وسط تلك