الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

31

نفحات القرآن

النيران ولم يرحم منهم لا شيخاً ولا طفلًا رضيعاً ) ، وما كان ذنبهم إلّاأن آمنوا باللَّه العزيز القّهار : « وَمَا نَقَمُوا مِنْهُم الّا انْ يُؤمِنُوا بِاللَّهِ العَزِيزِ الحَمِيدِ » . ( البروج / 8 ) ويضمّ التاريخ بين صفحاته الكثير من هذه الوقائع التي مارستها الحكومات المستبدة والتي كانت تُعامل شعوبها كالعبيد ، بل أدنى من ذلك أيضاً ، وقد أشار القرآن في عدّة مواطن إلى مثل تلك الحكومات ، ولذلك كان أحد أهم الأهداف لثورات الأنبياء عليهم السلام محاربة الاستبداد وإنقاذ الشعوب من براثن المستبدّين . 2 - ونرى كذلك بعض الآيات القرآنية الشريفة التي تشير إلى حكومة الشورى ، أو كما هو المصطلح عليه بحكومة الشعب للشعب ، وإن لم يكن هذا المصطلح واضحاً كما عليه اليوم . نطالع في قوله تعالى وفيما يخصّ قصة ( سليمان عليه السلام ) مع ( بلقيس - ملكة سبأ ) : لما وصلت رسالة سليمان إلى بلقيس جمعت الأخيرة مستشاريها وبدأت معهم بالتحدث عن مضمون تلك الرسالة قائلة : « يَا أَيّها الْمَلَوُاْ أفتُونِى فِى أَمْرِى مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ » . ( النحل / 32 ) ومن المتيقّن أنّه لم تكن في ذلك الزمان انتخابات ولا آراء شعبية ، لكن مع وجود مثل هذه الحالة عند الملكة وهي الالتزام بالشورى في سير الأمور والبتّ فيها فذلك يدّل على وجود حكومة الشورى نوعاً ما . إضافة إلى ذلك فإنّ مسألة الشورى هي احدى المسائل التي تتضمنها البرامج الإسلامية وتؤكد عليها في الأمور الاجتماعية والحكومية عامة ، وكما يذكر القرآن الكريم واصفاً المؤمنين الحقيقيين بقوله : « وَأَمْرُهُم شُورَى بَيْنَهُم » . ( الشورى / 38 ) بل حتى أنّه أمر النبيّ صلى الله عليه وآله بالمشورة مع المؤمنين حيث يقول القرآن مخاطباً الرسول صلى الله عليه وآله : « وَشَاوِرهُم فِى الأَمرِ » . ( آل عمران / 159 ) ومع أنّ حكومة الرسول صلى الله عليه وآله كانت من نوع الحكومات الإلهيّة ، إلّاأنّه صلى الله عليه وآله كان يُؤمر بمشاورة الناس لتبقى حكومته ذات صبغة شعبية .