الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

43

نفحات القرآن

السابقين : « وَمَا يَأْتِيهِمْ مِّن رَّسُولٍ الَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ » . ( الحجر / 11 ) ولما رأى المشركون أنّ السخرية والاستهزاء لم تؤثرا شيئاً وأنّ الإسلام ما زال يواصل تقدمه دون تلكؤ ، انتقلوا إلى المرحلة الثانية : لقد تصور المشركون أنّهم سيخرجون الرسول صلى الله عليه وآله من ميدان الصراع بإلصاق التهم به كالجنون أو ( السحر ) ، أو ( الشِعر ) ، أو أنّ ما جاء به قد تعلمه على يد هذا أو ذاك أو أنّه منقول من أساطير الأولين . فمرة يقولون : « يَاايُّها الَّذِى نُزِّلَ عَلَيهِ الذِّكرُ انَّكَ لَمَجنُونٌ » . ( الحجر / 6 ) وأخرى يقول بعضهم للآخر : « ائِنّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنا لِشَاعِرٍ مَّجنُونٍ » . ( الصافات / 36 ) وأحياناً يقولون : « هَذَا سِحْرٌ وَانَّا بِهِ كَافِرُونَ » . ( الزخرف / 30 ) وأضاف القرآن الكريم : إنّه ليس مشركو العرب لوحدهم ألصقوا تلك التُهم بالرسول صلى الله عليه وآله فحسب بل إنّ هذه التهم قد عانى منها كل الأنبياء : على مر التأريخ : « كَذَلِكَ مَا اتَى الَّذِينَ مِن قَبلِهِمْ مِّن رَّسُولٍ الَّا قَالُوا سَاحِرٌ اوْ مَجنُونٌ » . ( الذاريات / 52 ) وفي مكان آخر نقرأ قوله تعالى : « وَلَقَدْ نَعلَمُ انّهُم يَقُولُونَ انَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِى يُلحِدُونَ الَيهِ اعْجَمىٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبىٌّ مُّبينٌ » « 1 » . ( النحل / 103 ) وأحياناً يقولون : « وَقَالُوا اسَاطِيرُ الأَوِّلِينَ اكتَتَبَها فَهِى تُمْلَى عَلَيهِ بُكرَةً وَاصِيلًا » . ( الفرقان / 5 ) و « أساطير » : جمع ( أسطورة ) ومعناها القصص الخيالية التي لا صحة لها ، وبهذا الأسلوب ألصقوا أنواع التهم وكل ما يختمر في أذهانهم بالرسول صلى الله عليه وآله ولكن لم يؤثر أيّ منها ، وأخذ الإسلام يشق طريقه بسرعة بين الطبقات المختلفة . المرحلة الثالثة : بدأت المرحلة الثالثة بضغوط مختلفة : اجتماعية وسياسية ولأنّهم أدركوا مدى خطورة الإسلام عليهم سعوا إلى القضاء على الرسول صلى الله عليه وآله والمجموعة القليلة التي آمنت به من هذا الطريق .

--> ( 1 ) جاء في التفاسير أن رجلًا يدعى ( بلعام ) كان في مكة وأصله عبد رومي لبني حضرم وكان المشركون يقولون : إنّ محمداً صلى الله عليه وآله تعلم القرآن منه ، وقال بعضهم : إنّ كلامه إنّما نقله من عبدين نصرانيين أحدهما يسار والآخر جبر أو ذكروا اسم سلمان الفارسي ، ولم تكن لغة أيمنهم العربية بينما يعد القرآن معجزة في الفصاحة والبلاغة .