الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

71

نفحات القرآن

لكن « الراغب » فسّر أصل الرجس في « مفرداته » بمعنى « الشيء القذر » وقال : إنّه يكون على أربعة أوجه : إمّا من حيث الطبع ، وإمّا من جهة العقل ، وإمّا من جهة الشرع ، وإمّا من كلّ ذلك . وقد ذكر البعض مصاديق أو معانيَ عديدة ل « الرجس » كالذنب والشرك والحسد والبخل ، والقذارة ، النجس المختلط ، الصديد والجراحة ، الصياح الخارج عن الحدّ المتعارف ، الشكّ ، الكفر ، اللعن ، الرائحة الكريهة وأمثالها . يبدو أنّ « الرجس » في هذه الآية ونظراً لإطلاقها ، له معنى واسع شامل ، لكلّ أنواع الذنب والشرك والبخل والحسد والفسوق الظاهري والباطني والأخلاق والعادات السيّئة التي تشمئز منها النفوس ، والحقيقة أنّ أهل بيت النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وبإرادة من اللَّه تعالى كانوا مطهّرين من كلّ هذه الأمور ، ولا شكّ أنّ هذه الآية تثبت مسألة العصمة في شخص النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وأهل بيته ( أمّا فيما يتعلّق بالمراد من أهل البيت ومن هم ؟ فسيأتي الكلام عن ذلك إن شاء اللَّه تعالى ) ، إنّ إرادته تعالى لابدّ وأن تتحقّق ، وإرادته في إذهاب الرجس عن هذه الأسرة لا يعني سوى « ضمان عصمتهم » مفهوماً ، لبداهة كون الشرك والذنب من أجلى مصاديق الرجس والقذارة ، ولا شكّ أنّ نفي الرجس بشكل مطلق يشمل الذنوب أيضاً . هل أنّ هذه الإرادة تشريعية أم تكوينية ؟ وبعبارة أخرى ، هل أنّ اللَّه تعالى أمر أهل البيت بعدم ارتكاب الذنوب والقبائح ، أم أنّه تعالى أودع الطهارة في نفوسهم ؟ بديهي أنّ المراد ليس المعنى الأوّل ، نظراً لعدم انحصار الإرادة التشريعية ( التكليف بأداء الواجبات وترك المحرّمات ) باسرة النبي فقط ، بل شمولها لكلّ الناس بلا استثناء في اجتناب الذنوب ، في حين أنّ كلمة « إنّما » تدلّ على اختصاص وانحصار هذه الموهبة في أهل بيت النبي الأكرم صلى الله عليه وآله ( تأمّل جيّداً ) . وبناءً على هذا ف « الإرادة » هنا تنحصر بالإرادة التكوينية ، لكن ليس بذلك المعنى الذي يستلزم القول بالجبر وأنّ أهل بيت النبي الأكرم صلى الله عليه وآله مجبرون على العصمة ، لأنّ الأنبياء