الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

70

نفحات القرآن

الإجابة عن سؤال : وهنا يتبادر في الذهن هذا السؤال وهو : هل يمكن الاقتداء المطلق بلا قيد أو شرط بمن لا يتمتّع بمقام العصمة ؟ ! والجواب واضح وهو يمثل دليلًا وشاهداً على مسألة العصمة ، إذن فالأمر بالاقتداء هذا خير دليل على حقيقة معصوميته ، وإلّا لما جاز أن يكون قدوة في كلّ شيء ، ولكلّ شخص في أيّ زمان ومكان . ومن هنا فالآية الآنفة الذكر متّفقة مع الآيات التي تأمر المؤمنين بإطاعة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله بلا قيد أو شرط ( الآيات السابقة ) . ربّما قيل : إنّ التعبير ب « الأسوة » قد جاء في القرآن في موضعين آخرين ( الممتحنة / 4 و 6 ) وأنّه شامل للمؤمنين الذين كانوا مع نبي عظيم كإبراهيم عليه السلام ، بالإضافة إليه ، بالرغم من عدم عصمتهم ، يقول تعالى : « قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِى إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ » . ( الممتحنة / 4 ) لكنّ التدقيق في الآية المذكورة يكشف انحصار الاقتداء والتأسّي هنا في بُعد واحد فقط ، ألا وهو مسألة البراءة من المشركين ، إذ إنّ هناك طائفة من المسلمين في عصر النبي الأكرم صلى الله عليه وآله حديثو عهد لم يستسيغوا التخلي عن أقربائهم ومعارفهم من المشركين بسهولة ، وهنا يقول القرآن : اقتدوا بإبراهيم وأصحابه فعندما أصبحوا موحدين أعلنوا عن استيائهم من المشركين والبراءة منهم . كما أنّ الآية السادسة من هذه السورة تؤكّد على هذا الموضوع أيضاً ، وبناءً على هذا فالخطاب لم يقصد منه مطلق الاقتداء والتأسّي بأصحاب إبراهيم عليه السلام ( تأمّل جيّداً ) . والمخاطب في الآية السادسة هم أهل بيت النبي الأكرم صلى الله عليه وآله إذ يقول تعالى : « إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً » . جاء في مقاييس اللغة أنّ أصل « الرجس » هو « الاختلاط » ، ثمّ أطلق على الأشياء النجسة لاختلاطها بشيء آخر .