الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

69

نفحات القرآن

عصمة الأنبياء والأئمّة من جميع الجهات . الآية الخامسة تخاطب المسلمين وتقول لهم : « لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً » . « الأسوة » : لها معنيان : فهي تارة تعني الإصلاح والعلاج ومن هنا قيل للطبيب « آسي » ، وتارة تعني « الغمّ والحزن » . يعتقد البعض أنّ هذه المفردة لو كانت « معتلًا واوياً » لكانت بالمعنى الأوّل ، ولو كانت « معتلًا يائياً » ، لكانت بالمعنى الثاني . كما احتمل أيضاً عودة كلا المعنيين إلى معنى واحد باعتبار أنّ الغمّ والحزن والأسى إنّما يكون على ما فيه الصلاح والعلاج . على أيّة حال فظاهر معنى الآية الخامسة هو الاقتداء والاقتفاء ( باعتبار أنّ الاقتداء بالعظماء يعدّ من أفضل طرق الصلاح ) . الملفت للنظر أنّ « الأسوة » ك « القدوة » لها معنىً مصدري وهو الاقتداء والمتابعة وليس معنىً وصفيّاً كما هو متداول اليوم ، وبعبارة أخرى فالقرآن الكريم لا يقول : النبي الأكرم صلى الله عليه وآله قدوة لكم ، بل يقول : في وجوده قدوة حسنة ( تأمّل جيّداً ) . التعبير ب « لقد » للتأكيد ، وذكر « كان » إشارة إلى حقيقة كون النبي الأكرم صلى الله عليه وآله قدوة للمسلمين على مرّ الزمن . مع أنّ المخاطب في هذه الآية ( لكم ) يشمل كلّ المؤمنين ، لكن جملة : « لِمَنْ كَانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً » تفيد أنّ الأشخاص الذين يتّصفون بهذه الأوصاف ، وهي رجاء رحمة اللَّه واليوم الآخر والذكر الكثير للَّه‌تعالى ، هم فقط أولئك الذين يتسنّى لهم الاستفادة من هذه القدوة الحسنة . وبالرغم من أنّ هذه الآية ناظرة إلى استقامة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وشجاعته الخارقة في معركة الأحزاب : ولكن هذا لا يحدّد مفهوم الآية نظراً لإطلاقه وخلوّه من كلّ قيد أو شرط .