الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
67
نفحات القرآن
تدلّ على أنّ الأنبياء عليهم السلام معصومون من الخطأ في الفتاوى والأحكام ، لأنّه تعالى أوجب الانقياد لحكمهم وبالغ في ذلك الوجوب ، وبيّن أنّه لابدّ من حصول ذلك الانقياد في الظاهر وفي القلب ، وذلك ينفي صدور الخطأ عنهم « 1 » . صحيح أنّ الآية قد نزلت في تحكيم نبي الإسلام صلى الله عليه وآله ، لكنّها توجب إطاعته في كلّ شيء طبقاً للقرائن التي تحفّ بها ، ولذا نقرأ في الحديث عن الإمام الصادق عليه السلام : « لو أنّ قوماً عبدوا اللَّه ، فأقاموا الصلاة ، وآتوا الزكاة ، وصاموا شهر رمضان ، وحجّوا البيت ، ثمّ قالوا لشيء صنعه رسول اللَّه ألا صنع خلاف ما صنع أو وجدوا من ذلك حرجاً في أنفسهم لكانوا مشركين ! ثمّ تلا هذه الآية . . . » « 2 » . واضح أنّ هذه الآية لا تختصّ بزمن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله فقط ، بل هي قائمة إلى يوم القيامة ، وقد أشار البعض من المفسّرين إلى ذلك أيضاً « 3 » . وبناءً على هذا فكلّ من خالف سنّة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله القطعيّة وأحكامه ، أو وجد من ذلك حرجاً في نفسه أصبح مصداقاً لهذه الآية . وبالجملة فالآيات الثلاث السابقة هي بصدد بيان حقيقة واحدة بعبارات شتّى ، ألا وهي ضرورة التسليم المطلق أمام أوامر النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وأحكامه ، ولا يتمّ هذا إلّابالقول بضرورة عصمته . والغريب هو أنّ بعضاً من مفسّري أهل السنّة قد استدلّ بما جاء في صحيح مسلم أنّ النبي الأكرم صلى الله عليه وآله مرّ بقوم يلقّحون ( النخل ) فقال : « لو لم تفعلوا لصلح ، قال : فخرج شيصاً ( لم يثمر ) ، فمرّ بهم فقال : ما لنخلكم ؟ قالوا : قلت كذا وكذا . قال : أنتم أعلم بأمر دنياكم » « 4 » . ومن هنا فقد قسّم البعض منهم أحاديث النبي الأكرم صلى الله عليه وآله إلى قسمين : ما يقوله عن اللَّه
--> ( 1 ) تفسير الكبير ، ج 10 ، ص 165 . ( 2 ) تفسير مجمع البيان ، ج 3 ، ص 69 . ( 3 ) تفسير روح المعاني ، ج 5 ، ص 65 . ( 4 ) جاء في صحيح مسلم في هذا الموضوع ثلاثة أحاديث متّفقة مضموناً وبعبارات شتّى ، ( صحيح مسلم ، ج 4 ، الباب 38 ص 1835 ، ح 139 و 141 باب وجوب امتثال ما قاله شرعاً دون ما ذكره صلى الله عليه وآله من معايش الدنيا على سبيل الرأي ) .